أميرة تعود من المساكن الحمراء
الفصل السادس والعشرون: أميرة تعود من المساكن الحمراء
أطلق أباظة الرصاص على كلب الحراسة "دوبر مان"، وتقدم إلى موقع الفتاة النائمة في خطى رشيقة كأنما يقتحم موقعاً، سرعان ما فزعت أميرة ويقظت، انتفض الكلاب الثلاثة وراحوا يهاجمون الضابط الذي أطلق عليهم الرصاص بدوره، وهرعت أميرة إلى أباظة تقول له غاضبة :
- بربك.. لماذا قتلتهم؟!
وتدخلت هدى تقول :
- أراد الضابط إنقاذكِ، ولتتعلمي كيف تحمدين لصاحب المعروف معروفه، لقد قضى ليلاً بطوله في البحث عنكِ.
وكانت أميرة تقول بينما تنهار إلى جثة هذا الكلب، المربعة البناء، ذات الفراء القصير :
- كلاب أليفة ولا تستحق هذه العدوانية..
في طريق الإياب سألتها الأم :
- وأين كنت؟
- المساكن الحمراء..
- هل تعرض لكِ أحد بسوء هناك؟
- لا..
- يجب أن تأخذي حذرك، تكثر الأيادي الطامعة حول الزهور الجميلة، تروم اقتلاعها.
وقالت أميرة بينما تترك الثلاثة - أباظة وعبد الغني وهدى - تركض إلى البيت مشحونة بعاطفة كالتمرد :
- لستُ زهرة.
عادت أميرة إلى البيت فجعلت تبثق أمام الحوض ما تبقى من أثر الخبز العفن، وغسلت فمها بالماء غير مرة، كانت الفتاة لم تزل غاضبة لمقتل الحيوانات الأربعة، وأصابها مشهد الجثث فوق الأرض الخراب في موضع البيت المتهدم حين استعادته وهي تغرغر الماء - أصابها بقشعريرة،.. ولكن صفاءً حل بها حين رأت عبر النافذة الخشبية أبويها وقد عادا دون الضابط، وخلعت حذاءها الخفيف ثم جوربيها الحريرين، واقتربت من النافذة حتى لامس ذقنها الحافة تتبعهما بعينيها، فكانا يتحدثان حديثاً عالياً في بيئة الصباح، واستدارت عن النافذة فأبصرت مراداً أمامها، بغتة، وكان قد تبعها إلى البيت يقول :
- حمداً لله على رجوعكِ !
ولم تجبه، وسمع الاثنان وقع أقدام الأبوين الصاعدين فمكثا في صمتهما حتى وصول عبد الغني فهُدى،.. وقال مراد لمّا لم يجد منها جواباً :
- قيل لي بأنكِ ذهبت ولم تعودي، بحثت عنك في كل مكان، الإسكندرية مدينة محدودة ولكنني خلت وقتذاك أحياءها شاسعة بلا نهاية، وقد حدث حين لم أجدك أن جلست في هذا الركن، ركن الحانوت، أبكي وأبكي، قيدت المسؤولية الأخلاقية أضلعي حتى كادت تسحقني،.. إن فارق العمر بيننا يجعلني كالأخ الأكبر،.. إنني أقول : أحاطتك السماء بأعين الرعاية، ونشرت عليك أجنحة الحماية.
وفي الحق فلم تكن الفتاة تسمعه، وترددت في أذنيها كلمات العجوز التي التقت بها في المساكن الحمراء: "ستحصحص الحقيقة آجلاً أم عاجلاً ولو تشعبت في ألف سبيل،.."، وتركت أميرة مراداً فقالت لأبيها بعد أن تحركت لخطوات :
- لا أفهم لمَ قتل أباظة الكلاب الأربعة ؟!
- إنه ضابط شاب، من الطبيعي أن يلجأ إلى خيار متحمس.
- ليس إلى هذا الجنون.
وقالت هدى :
- لا تعرف أميرة أين تكون مصلحتها، آمل أن تكتسب هذا الأمر حين ترشد.
ولم تشهد علاقة مراد بزوجه نرمين أهون تقدم، حاول الشاب أن يصحب زوجه إلى شاطئ ستانلي بغية التنزه، أصرت نرمين على اصطحاب أخوتها الخمسة الذين أفسدوا شاعرية المكان وسحره، أمام الخليج المشتهر بهدوء مياهه وزرقتها فشلت محاولته، يذكر مراد شيئاً عن حي بولكلي الذي يتقدمه الشاطئ شمالاً :
- كان المقر الصيفي لاجتماعات مجلس الوزراء قبل الثورة، لقد فعلت الثورة خيراً حين أنهت على هذا الطقس السخيف، الجدية هي طابع إدارة الأمور الآن.
ولكن نرمين لا تبادله جواباً، ضحلة معارف المرأة حتى الإحباط، يتحمس مراد للثورة التي انتصرت له ولكن نرمين لا تتحمس - وكما يظهر - إلا لفض النزاعات بين أخوتها المشاكسين. حفلت النفوس في هذا اليوم باهتمام بحدث فريد، اشترى عبد الغني تلفازاً - لأول مرة - وحمله مراد حتى أودعه مركز الصالة، وجعل له مفرشاً مطرزاً، كان عبد الغني يقول متحمساً :
- سنرى وجه العالم، أخيراً..
صفق فؤاد طرباً، بهرت نرمين بالجهاز الجديد، كان بالنافذة السحرية أشبه، أصرت نرمين على أن يشتري زوجها مثيلاً له، على أن مراد ماطل وأرجأ، قالت :
- لست أقل من عبد الغني،.. سأضعه هنا (تشير إلى الجهة المقابلة للأريكة بحجرة المعيشة) !
- ليس الآن.
- بل الآن.
- بوسعي أن أشتريه لكِ في مقابل أن تتخلي عن أخوتك الخمسة !
- ليست مزحة لطيفة أبداً.
- لماذا لا تكتفي بالفونغراف والمذياع؟
- كأنما تطلب مني ركوب الخيل في زمن العربات والطائرات ! الصورة هي ما أفتقده في الوسيلتين، لسنا في بديات القرن العشرين، من حقي أن أرى وأسمع.
وتصاعد النقاش حتى قال :
- يقولون وهماً أن عشرة تصقل الحب.
- إنك لم تحبني يوماً.
- وكيف تسبرين أغوار ما بنفسي نحوك إلا أن يكون سوء التأويل؟
- لست مغفلة، إنها أمور تُرصد وتُحس، تعاملني بصلف وكبر، وتكثر السفر إلى دمياط وكأنكَ تكره الاستقرار في البيت ساعة.
- أتردد على دمياط كي أجد ما يطعمني ويطعمك.
اضغط على رابط الصفحة الرئيسة لمزيد من الموضوعات : روايات قصص
- واليوم - أيها الإخوة - بعد عشر سنين من الثورة فليحدث كل فينا نفسه : إن هذه الثورة مستمرة.. مستمرة بعد أن قضت على الإقطاع، وبعد أن قضت على الاستعمار، وبعد أن قضت على الاحتكار، وبعد أن قضت على سيطرة رأس المال..
وكان يأخذ بمراد الجموح إلى أبواب الحماسة فيصفق، ثم يتذكر حال تجارته، كيف عشعش الكساد وبسطت الاشتراكية الوطنية عزلتها فيرتد إلى شيء من الاعتدال المتحفز، ثم يحدث أن يعلو صوت الوعود الجامحة الثائرة فتعود تقرع في نفسه طبول التحدي،.. وهكذا دواليك،.. بين مد وبين جذر، بين واقع مضنٍ وبين أمل مشتعل،.. وإنه كذلك حتى طرق الباب، ولم يشأ أن يترك الشاب شغفه بسماع الخطبة، فأشار إلى نرمين أن تفتح، وقالت :
- يقول بأنه صديق لكَ على مقهىى "البورصة التجارية"، واسمه جمعة..
ونهض مراد وكان رافلاً في زي البيت المسترخي، كالأطفال، وقال جمعة له في جدية غريبة عنه :
- سأنتظرك على المقهى الذي تعرفه، أريدك في أمر مهم..
وقال مراد في شيء من تبرم بعد أن رحب بصديقه ترحاباً ودوداً :
- بربك.. تريد أن تلعب الطاولة والدومينو، الساعة؟!
- كلا، أهم من هذا..
- لا تقل بأنها صفقة تجارية،.. لا أحب أن أعقد مثل هذه الأمور المهمة في مقهى كالبورصة التجارية الكبرى، في جزئه الأمامي يزعجني المثقفين وأدعياء التنوير، وأخشى على نفسي من ذاك الجزء الخلفي فيه حيث يكمن نشطاء السياسة بأحاديثهم التي تمتلأ بالترهات الإنشائية !
- كلا، أريدك في أمر آخر غير التجارة،.. لماذا تكثر الحديث؟
وساور مراد صنف من الوجل والارتياب فودع الخطاب والتلفاز ونرمين وداعاً عابراً وقلبه مشغول بصاحبه، وقصد إلى المقهى المطل على الكورنيش فجلس رفقة جمعة في جزئه الأوسط يدخن الشيشة، وقال جمعة وكان وجهه ينضح بالجمود :
- لقد وجدت أباك.
ولم يأخذ مراد حديث صديقه على أقل محمل من الجد، فقال ينتقل وجهه من العجب الخفيف إلى الابتسام :
- حقاً؟! هذا مزاح، مزاح ثقيل جداً، لكنه مضحك..
واستطرد الثاني بينما يضع قطعة الدومينو بشكل أفقي في المسار المستقيم :
- إنه شيخ كفيف باللبان، اسمه ضاحي ويريد أن يراك، قال لي بأنه كان يتابعكِ ولسنوات من مبعدة على أنه لم يتجرأ على أن يظهر هذا لكَ، إنه شحيح المورد فقير اليدين، يعرف أنك لن تغفر له غيابه طوال هذه السنين، لقد أضناه الشوق إلى رؤية حفيده رؤوف حين علم بمولده، أغراه هذا بكسر هذه العزلة التي استمرت طويلاً وطويلاً !
وقال مراد في غضب بينما يبعثر نظام قطع الدومينو يريد أن ينهي اللعب:
- إنك تهذي وتخرف، ليس لي أبوان معروفان، ولا أريد أن ألتقي بأحد، إنني لم أشتكِ اليتم لأحد يوماً، وما جزعت من وحدتي في أحراش الحياة، أقل الجزع، فلتسمعني، يولد بعض الناس منعمين موفورين وآخرون أشقياء مناكيد، يقولون عن هذا : سليل بيت الشرف، وعن ذاك : تعيس الحظ بائسه ! والثالث : بين بين، ولكنني لا أبالي، لا أبالي بالقصور ولا بالرياض ولا بالملاعق الذهبية، ولا أنتظر شفقة ولا حباً إذ لا يأسى على الحب إلا النساء.
وقال جمعة في جدية :
- إنني لا أختلق ولا أهذي !
- ...
تتابع الخواطر في ذهن مراد في حين يتطلع إلى رخام المقهى العريق وخشبه الصلب، تأتيه نسمة من الكورنيش، يستطيع أن يستسيغ الجلوس في البورصة التجارية ولساعات طوال فلا رطوبة ولا موجة حر، هناك، ولكن جمعة يثقل عليه كمن ينكأ جرحاً، أعتقد أنه بلا أبوين، ورضي بالحقيقة المرة، واليوم.. ألا يجدر به أن ينتابه السرور؟ إن وعيه يأبى التصديق كالذاهل المنيب إلى الحياة بعد موت، من يكون ضاحياً؟ ألا يكون طامعاً في المال الذي لا يملك منه إلا قليل؟ أو مزوراً يدعي لنفسه المصاهرة والقرابة؟ لقد دفنت الحقيقة نفسها في أسحاق ماضيه المبتسر، أحب عبد الغني وعدّه رسولاً خلصه من الحاجة ولكنه لم يعوضه عن حقيقة فقدان الأبوين، واليوم تهبط إليه المفاجأة كالشهاب يصدم الأرض المستقرة عابثاً بسلامها، وتساءل جمعة فيما كان النادل يصب لهما كوبين من الشاي :
- لماذا لا تلعب الـ 21؟ (بلاك جاك)، إنني إذ فزت قبلت أنت أن تلتقي بالرجل الكفيف، والعكس بالعكس..
وقال مراد هازئاً، يشرب رشفة الشاي :