خيانة في الريف
الفصل الرابع عشر : خيانة في الريف
ألفى يوسف نفسه وامرأته في ثراء محدث بعد أن هبطت إلى الزوجين ثروة الضابط التائب تشارلي، وارتفعت الآمال إلى حد صار معه الحديث عن بيع الزهور والعمل بالمصانع ذكرى غابرة،.. كان يوسف يقول لامرأته :
- نعيش زمناً يُضطهد فيه المرء بسبب الثروة، لا تجهري بما قد يثير الريبة في النفوس،.. الحذر الحذر!
على أن عفاف لم تلقِ لتحذيرات الشاب بالاً، كانت المرأة كثيرة الزهو بما هبط إليها من الثروة أمام صديقاتها من العوالم كفريدة التي أشارت عليها أن تحتفظ بجزء من المال في مخبأ تحت بلاطة، وقد عملت المرأة بالنصيحة على سذاجتها الظاهرة.. وأمست (عفاف) إلىى - ذاك - دائمة السخرية من الشعار الاشتراكي السائد وقتذاك :"كفاية الإنتاج، وعدالة التوزيع.."، وسمعها يوسف تقول :
- ما حاجتنا إلى الاشتراكية وقد فزنا في يانصيب الحياة؟ من عجب كيف انقلب تشارلي في لحظة من نقمة علينا إلى نعمة لنا !
وقال لها :
- ليست تشارلي وحده، المال أيضاً عملة ذات وجهين، وأخشى أن تورثك كثرته سفهاً وحمقاً !
فكان كأنما دلها على الأمر الذي حذرها منه، وآية ذلك أن المرأة اشترت مقهى الفنانين (قهوة العوالم) كاملاً، وجعلت تنفق على أمسياته في بذخ، كان يوسف يقف في الأمسيات الليلية للمقهى الذي عاد إليه بعد طرد شريكاً في ملكيته، وقد عدمت ساحة جمهوره من الأجانب أو كاد إثر قرارت السياسة التي أعقبت أزمة السويس، يقف يردد أشعار كفافيس :
- "وستقف في الأسواق الفينيقية..
وستشتري السلع الجميلة..
الصدف والمرجان والعنبر وخشب الأبنوس..
والروائح ذات الرائحة الرائعة من جميع الأنواع..
يجب أن تذهب إلى العديد من المدن الليبية..
حيث يمكنك أن تجد هناك السلع الأكثر جمالا..".
على أن شفة من شفاه الحضور لم تفتر عن إعجاب أو فماً دل على تأثر، حتى الأيادي ثابتة بخيلة الحركة كأنما قدت من جلمد، وقالت له عفاف - التي كانت تدير المقهى دون أن تشارك في فعاليات سهراته بإيعاز من يوسف - حين انتهاء العرض :
- من الطبيعي ألا يتأثر الجمهور المصري بأشعار يونانية مترجمة ! هل نسيت أن المدينة باتت تخلو من الأجانب أو تكاد، كان الأجانب يستسيغون الثقافات الأجنبية واليوم.. !
وقاطعها من حيث انتهت يقول :
- يحدث المصريون أنفسهم كأنما هم آلهة الحضارة والفن والثقافة وحدهم..
- فلتأتِ بشاعر مصري بدل اليوناني، إنهم يرمونك بالغموض والتحذلق!
وانتفض في وقفته متنبهاً، قال لها مصححاً كأنما مست المرأة شيئاً له يعرفه :
- كما اتهموا كفافيس من قبل، لم يكن كفاففيس يونانياً، كان هلينيستياً، كان نتاج التفاعل بين الحضارتين المصرية واليونانية، ومتحدث اليونانية بلكنة إنجليزية، إنه ما أجاد العربية إجادة تامة أبداً وإنما أعجب بالعامية المصرية ومعها موسيقى سيد درويش !
- عليك أن تقنع المشاهدين المصريين بكل ذاك !
وقال يوسف في تبرم :
- وما جدوى إقناع أي أحد بأي شيء؟ يكتسب الوعي البشري المعنى في مخاض من البقاء القلق، لقد عدمت حياتنا من معنى بعد سيولة المال ما خلا الخوف والوجل، إن من يملك كل شيء يخشى من كل شيء، والضد بالضد.. نخشى أن يقص ريشنا مقص الرقيب الاشتراكي، هذا المهووس بالاجتزاء وإعادة تشكيل الثروة، ونخاطب من لا يفهمون الثقافة - نخاطبهم بلغة الثقافة،.. (وفرد ذراعيه يمنة ويسرة حتى بلغا أقصى امتداد ممكن لهما.. وكان محدوداً.. ثم قال في أداء ممسرح خافت مع هذا وهو يحدق إلى عيني زوجه في تصميم..) لقد دمرت الاشتراكية المدينة !
وتساءلت :
- ألم تكن ثائراً على أوضاع ما قبل يوليو؟
- واليوم أجدني غير راضٍ، كسخط الأمس، غير أنه مكتوم !
وكان حديث الشاب آنئذٍ غريباً كل غرابة وسط سيل من الرضا الشعبي بقرارت طرد الإنجليز والوحدة المصرية/السورية.. إلخ، وحتى لقد ظنت عفاف به الهذر والإحباط العارض وعدم الدراية، وسار رفقتها حين انتهى برنامج اليوم في مسار ليلي يلوح فيه من الكواكب زحل - سار يقول :
- لقد انتهيت مضحكاً وشاعراً،.. وإذا أنت سألتني : فلتأتِ بمعنى إيجابي واحد باقٍ في دنيا من العبث؟ سأقول قولاً واحداً بأنه : زهير، أريد أن أنجب طفلاً آخر.
وقالت في وجل بينما تلوح لها حلقات زحل العظيمة باهتة ضئيلة :
- أخشى أن يداهمني الموت الذي رأيت ظله عند ولادة زهير !
وقال لها في إيجابية لأول مرة كأنما يروم أن ينشط فيها غريزة أمومة :
- نملك المال، ويجب أن نتحلى بالجسارة، سنجيء بمن يؤنس وحشة زهير ووحشتنا !
- ...
ولم يجد منها استجابة، فسبقها إلى البيت يصيح :
- اللعنة على المال،.. سأعيده إلى صاحبه، سأجد تشارلي، أجل، سأجد الضابط حتماً، هنا أو هناك، وسأعيد إليه هبته الملعونة التي أفرغت حياتنا من معناها !
وذكر يوسف شيئاً عما يمر به من مأزق الضآلة، وأورد في تفسير مصطلحه مثال الإسكندر الذي لم يجد قطراً يغزوه بعد إذ سيطر على معظم العالم القديم، فمات في الهند : آخر ما غزاه من بلدان، ولعله تساءل (الإسكندر في ظن يوسف) : ما جدوى كل تلكم الدموع والدماء والأشلاء والرجال التي دفعت أكلافها إذا كانت في سبيل مثل هذه النهاية العدمية؟ تساءلت المرأة وهي تمسك بطرف فستانها الطويل وإن جعل يمس الأرض على محاولاتها رفعه :
- كيف يكون المال لعنة في وعي العقلاء؟ هل تريد أن تطلق النار على قدمك؟
كانت مشيته السريعة تحدث بوناً بينه وبين عفاف يزداد بمضي الزمن اتساعاً، قال قولاً لم يحسب أن المرأة سمعته :
- يكون المال لعنة إذا هو جاء من طريق الجبروت،.. كالحال مع تشارلي!
وقصد يوسف إلى كنيسة سان سابا ومعه الحقيبة السوداء التي حوت على جزء من الثروة (بعد أن استخدم شطرها في شراء المقهى)، كان الأهالي يرشدونه إلى الكنيسة بوصفها : "الكنيسة أم جرس"، وتسلل إلى الداخل بغير أذن، كان تشارلي يقف مرتدياً زي الكهانة وسط نفر من الشمامسة فيما كان الأسقف يقول على كثب من ناقوس ضخم جداً عند المدخل في أقصى اليسار عند البوابة الرئيسة (مخالفاً الوضع المعتاد للجرس في الأعلى كباقي الأديرة والكنائس) :
- أحب أن أعيد على أسماعكم هاته الفروق لأهميتها في الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، تنقسم رتب الشمامسة إلى درجات خمسة، الأولى : الأبصالتس أي "المرتل"، ودوره في الكنيسة هو الترتيل وحفظ الألحان، وأما الأناغنوستيس..
وهنا قاطع يوسف الأسقف بقوله وكان يروم أن يقتحم حديث الأسقف يختلق أي سبب كيما يلفت نظر تشارلي إليه :
- أعذرني سيدي،.. إنني جديد هنا، ولتعذر جهلي، إنه (أي جهله) عميق جداً حتى أنني لا أعرف اتساعه وأعجز عن سبره،.. ما قصة ذاك الناقوس المخروطي الذي تقفون قربه؟ إنه كبير جداً،.. ولماذا لا يعلق عالياً؟
وكان للناقوس صورة مخروطية من النحاس القوي، تزن أطناناً ثلاثةً، له ارتفاع متران، وأما قمته فعلى شكل تاج،.. وانتهز يوسف فرصة السؤال كيما يطيل إلى تشارلي النظر والهمز واللمز فلاحظ الآخر وجوده ومعه الحقيبة السوداء، والتقت عيناهما، وأشار يوسف إليه بحركة رأسه أن يجيئه خارج حدود الكنيسة.. والتفت الأسقف إلى يوسف في ود، قال:
- أنت عجول يا بني، ولكنني سأجيبك عن سؤالك.. يقال بأنه الجنرال الروسي الكمدار ميخائيل سيمنا في عهد إمبراطور روسيا نيقولا الأول قد صنع الناقوس وأهداه إلى مصر على عهد محمد علي باشا لوضعه في كنيسة الروم الأرثوذكس بالإسكندرية،.. ثمة من يقول بأنه الأضخم في العالم ! حاول نفر من المهندسين اليونانيين والمصريين تعليقه، لكنهم حجمه الذي يفوق معدل الكتلة الخراسانية للكنيسة أعجزهم عن القيام بالأمر.
وخرج يوسف من كنيسة سان سابا بعد أن أبدى اعتذاره من طريقة دخوله غير الرسمية، وحمد للأسقف إجابته الوافية، كان يوسف في الحق ينتظر خروج تشارلي ليحدثه في شأن مسألة إعادة الأموال إليه، كانت مدة حديث الأسقف مع الشمامسة قد طالت وقد تطرق إلى رتبة رابعة وخامسة كالدياكون والأرشيدياكون فأسهب في شرح دورهما،.. ولاح تشارلي أخيراً يقول ليوسف :
- إلهي ! ماذا جاء بك هنا؟ شعرت بأبديتي في سان سابا واليوم تريد أن تختطفني إلى دنيا رخيصة !
- هاك أموالك، إنه جزء منها في الواقع..
وانفتحت الحقيبة وولاه الآخر ظهره يقول :
- فلتحتفظ بها لنفسك..
وكان صوت أنثوي زاعق سمعه الرجلان هو صوت عفاف التي كانت تقتفي أثر يوسف، وجاءت لتشارلي تقول :
- هل أقدم يوسف على حماقته؟
ومضى تشارلي إلى داخل الكنيسة حين رؤيته للمرأة وكاد يغلق الأبواب، لولا أن يوسف دفع الباب وولج دار العبادة ومعه عفاف، والتفت الشمامسة إلى المرأة فغضوا عنها الطرف، وجيء بمن طرد المقتحمان سريعاً فيما جعل يوسف يقول وهو يتهالك على أرض خارج الكنيسة :
- تشارلي الملعون،.. لن تنفعك ألف صلاة !
وقعد الرجل وامرأته فوق الطوار ومعهما الأموال فيما كانت الكنيسة كالبناء المنعزل، قالت عفاف :
- سأخوض مخاطرة الولادة، سأنجب أخاً لزهير !
ولثم يوسف يدها في عرفان للجميل فيما جعلت عفاف تلملم بعض الأوراق المالية المتبعثرة من فئة المائة هنا وهناك، وكان يقول في غير اكتراث للورق يتطاير حوله :
- سنكتفي بالعائلة، إنها طرف الخيط الأول، يحتاج المرء إلى اتجاه واحد من أصل أربعة كي يتعرف إلى البقية من اتجاهات البوصلة في حياته، «ومن طارد أرنبين في آن ما أدرك أياً من الاثنين..»، كما يدلنا المأثور الروسي !
كان خوف يوسف مما قد يسفر عنه الحمل للمرة الثانية قد نما مجدداً، فما باله يطلب الشيء حتى إذا جاءه أبدى منه قلقاً؟ قال :
- يطلب المرء المنالات ويسعى لها سعيها حتى إذا بلغها أو كاد أخذته رغبة في التفكر في عواقبها ومسؤولياتها الأخلاقية، وكان أجدر به أن يفكر في العواقب قبل العمل !
ومضت أيام هادئة في رحاب الثروة الجديدة، أجل، افتقد يوسف الإسكندرية في عصرها التعددي الذهبي وقد بدت له المدينة وقد انزلقت إلى نقطة اللاعودة، كان على عهد شب فيه الشاب وارتقى واحد من أصل أربعة بالإسكندرية من الأجانب، وقد جعل هذا الاختلاف للفهم ألف طريقة، وللضحكة ألف رنين، واليوم.. فالمصريون متفاخرون بأنفسهم أكثر مما يجدر، معتدون بالكراهية وخلق الحواجز، نزاعون إلى تسفيه الآخر على نحو مخيف يتسامون معه في أحلام الوهم والقوة،.. هل حقاً نحن خير شعوب الأرض؟ وإلى أين يحق أن ينسب ادعاء عريض مثل هذا الادعاء إلا إلى نرجسية بغيضة؟ أليس على وجه البسيطة من حليف سوى كتلة شرقية ومجتمعات اشتراكية أو شيوعية؟ ولو أننا صرنا بعد الاستقلال أقوياء بغير وهن،.. أليس خليقاً بالمستقل القادر أن يستوعب الجميع؟ وأما التقوقع والتشرنق فمفردات يطمئن بها الخائف ويلوذ في عالم يصوره خياله القاصر فيه مختالاً متبختراً، وحيداً،.. إن حضارة قوية معمرة لا تؤسس إلا على قبول المختلف المتحضر من أقطار العالم، وإلا فهو إعلان مشهر بالحرب والصراع لا ينتهي، وإيذان بانتهاء السلام عن ربوع الدنيا،.. وقد يلوح مشهد المصريين ومعهم الجاليات الأجنبية في انسجامهم القديم المألوف غائماً كأنما هو من عصر ولّى وانقضى،.. ولعل الشاب أعاد النظر بعد استعراض سابق في ثورته السابقة على الأوضاع القديمة بعين المدقق المفحص بعد تجربة،.. أكان يستحق الملك كل ذاك الغضب والسخرية؟ هل ساقته العاطفة الثورية المحمومة إلى لا ضفاف ولا آفاق؟ وحتى لقد هفا بالفؤاد إلى ساسة من طراز النحاس باشا في عصر الرأي الواحد فرآه بعد انتهائه السياسي معصوماً منزهاً،.. وسمعته عفاف يقول :" إن آفة الثائر أنه لا يفكر.."، أجل كان هذا كله شطراً من الصورة، وكان هذا كله تركة الاستعمار، على أن زهيراً ظل في دنياه شمعة أمل لا تنطفئ، واستوى نهراً من الطمأنينة لا ينضب، لقد أتم أعواماً ستة وبدا في أولى مراحل الإبتدائية نابهاً وبريئاً حد الخجل،.. وتحقق الحمل كرة أخرى وأنجبت عفاف طفلاً ثانياً سمته بحسين، وأما هذه المرة الثانية فمضت الولادة على نحو سلس، وبدا حسين شبيهاً بجده فوق أبيه، كانت العالمة فريدة تجد مخرجاً سحرياً لكل مأزق تقع فيه استنتاجاتها الغيبية الخاطئة، قالت لعفاف :"إن ولادة ثانية لابد أن تكون أيسر من الأولى.."، وعزم يوسف على السفر إلى أبيه ومعه الطفلان زهير وحسين، وامتلأ بالأمنيات المورقة في أن يلتقي الأحفاد بالجد الذي يربض على حافة غروب.
اضغط على رابط الصفحة الرئيسة لمزيد من الموضوعات : روايات قصص
تلقى بهاء الدين رسائل أخيرة حملت رغبة يوسف في أن يزوره ومعه زهير وحسين بكثير من الاستبشار، وقد وعده يوسف بالمبيت ليالٍ ثلاث كيما يؤنس وحشته خصوصاً بعد أن فقد الآخر أنس الإسكندرية القديم، وصب طول الفراق لهفة إليه شديدة،.. كان بهاء الدين يقول لنوح :
- لقد أخفق يوسف في تصوير طفليه على كثرة رسائله إليَّ، يقول بأن الأطفال جميعاً في غضارتهم متفقو الصورة كأنما جعلوا من عين المعين! انظر كيف يصور الأمر فيختزله ! أريد رؤية زهير وحسين رأي عين، حسين تحديداً لأنه أشبه بي من أخيه..
وكان نوح يقول لامرأته تسنيم :
- فلتعدي للزوار وليمة تليق بمقامهم !
ووجد منها استنكافاً وتأففاً فقالت :
- ومن أولاء الغرباء كي أعد لهم أفضل الموائد وأفرش من تحتهم الورود.. بحق السماء؟
وكان نوح يجيبها بإشارته :
- ألا يكفي أنهم من طرف الشيخ الطيب ؟!
وكانت تسنيم تغمغم في شحناء :" جاء العجوز إلى الريف فحاز الأرض قبل أصحابها بغير استحقاق، واليوم يجيء أبناؤه وأحفاده يرومون استضافة كاستضافة الفنادق والقصور، يولمون ويكرمون،.. وإني في محضرهم كالأمة اللكعاء.."، وعلا صوت تسنيم وكانت تغسل الأطباق تقول :
- لست خادمة في بيت العجوز !
واقترب منها نوح فأمسك بطرف أذنها في زجر حتى تولد فيه احمرار، قال معبراً بكلتا يديه بعد أن ترك الأذن وفي تعبيره آثار انفعال كأنما يجهر لها بعين الغضب الحمراء : " إننا لا نعيد الفضل إلا لذوي الفضل، إنها ثقافة الريف المتآخية وطبائعه الكريمة التي أغفلت عنها !"، وسمع سعال الشيخ ووقع قدميه على الأرض الخشبية وهو يقترب فقالت تسنيم بصوت عالٍ أرادت به أن يسمعه القادم بينما يستدير نوح عنها في سرعة:
- سيلعب طفلينا مع طفلي يوسف، وستكون أيام مبيتهم هنا رائعة مشهودة !
وأعدت المرأة مائدة اشتملت على طواجن اللحمة بالخضراوات في قدور فخارية منصاعة لشكيمة الزوج، واستعانت بإنتاج الأرض على إتمام السلطة والفواكه، وأقبل يوسف ومعه أسرته إلى أبيه في اليوم المحدد، كان بهاء الدين يقعد على رأس المائدة فيما جلست أسرة يوسف على ميمنة، وأسرة نوح على ميسرة،.. وتلقف الجد حسيناً من أمه - وكان الصغير ابن بضعة أسابيع - فانخرط في ملاطفة هبط معها من كهولته إلى طفولة، كان يهتف في انفعال :"ما أجمله وما أشبهه بي !"، وطالت مدة حفاوة الجد حتى أورثت تسنيم التي ارتأت في تصرفه المبالغ تجاهلاً زرى بطفليها - أورثها ضجراً، فذهب بها الحسد كل مذهب وسلك بها كل سبيل، وقالت منفعلة :
- معذرة.. وهل حضرنا نحن التسعة ههنا لأجل حسين وحده ؟!
وقال بهاء الدين منفعلاً، يكاد يبدو في هيئة الساخر أو الأحمق لولا تصديقه لما يقول :
- إنه أصغر من فينا (يريد حسيناً) غير أنه أجلّنا شأناً !
وانهمك القعود في طعامهم فنهضت تسنيم إلى المطبخ كأنما هي الإشارة إلى رغبة في خلوة فتبعها نوح الذي تساءل في لغة إشارة : "ما بكِ؟" :
- إنه يسرف في تجاهل طفلينا على نحو لا مكان لحسن الظن فيه، كأنما هما (بكر وبدور) الكم المهمل في حضرة الأكابر !
وأجابها بينما يعلو نداء بهاء الدين يطلبه إلى العودة إلى المشاركة في المائدة المنصوبة : "من الطبيعي أن يولي الأولوية لأحفاده.. إنه ليس جداً لبدور وبكر.." وقالت :
- أنت من تردد وتقول (تريد تعبر بالإشارة) أنه بمثابة أب لك دائماً، وهذه الأبوة إما أن تنسحب على ولديك فيصير منهما موقع الجد ويصيرا منه موقع الأحفاد وإما أن تكون وهماً وزيفاً.. إلام تختلق له المعاذير؟
وأجابها وهو يأخذ يستجيب لنداء العودة :" يجمل بكِ أن تتسامي عن الضغائن.."، وقالت في غضب موصول، وحيدة، تريد نفسها :
- خادمة تعسة لزوج أبله !
وتطلعت إلى النافذة كأنما تروم خلاصاً لواقعها المأزوم، ولمحت لهواً وطرباً اختلط فيه لعب النبابيت بأصوات المزامير، وكان يوم خروج جعفر من محبسه بعد سنين خمسة قضاها إثر القضية المعروفة بعد أن توسط أحد أعيان القرية - من معارف العمدة غانم أفندي - له لدى المديرية، وأضمرت المرأة أمراً ثم عادت إلى المائدة والقعود، كان بهاء الدين يقول :
- بمقدور المرء أن يتعلم أشق الأشياء إذا هو امتلك الإرادة القاهرة والحب،.. لقد تعلمت لغة الإشارة لمحبتي لنوح بغير معلم تماماً كما يتعلم الطفل لغة المنشأ على جهله بماهية كل شيء،.. إن الفارق بين الإسكندرية وبين أبي تيج هو نفسه الفارق بين ثقافة البحر والنهر، ولكنني موقن بعد تجربتي الزاخرة في البلدين بوحدة الحضارة وتشابه تطور المجتمعات وخصال البشر !
وكان الجد يعلم زهيراً - الذي تلقفه برعايته وحدبه - كيف يأكل الملوخية بلقمة الخبز، فيقول :
- فلتجعل منها (أي اللقمة) أذن غزالة أو ما شابه ! (ثم وزهير يبتلعها في فم صغير كأنها المسألة الشاقة ينهض بها..) هم يا بطل..
وتعود تثور أسباب النقمة في نفس تسنيم، وانتهى الاجتماع،.. أظلم الليل وانتشرت الدجى واختفت الأصوات المتسامرة ما خلا صرصرة، وصياح ديكة قبل الأوان، لم يهنأ يوسف بمنامه إذ كان عقله يفكر في الإسكندرية الوالية التي تعلق بها وذهبت، وفي حضور أمسيات يستطيب المختلف من الشعر،.. إلخ، لم يكن حضوره إلى أبي تيج إلا رغبة في التعمية على حال مؤرق مضنٍ، ونهض من فراشه بينما كانت عفاف تغط في نوم إلى جوار الطفلين، لم يشأ أن يوقظ أباه الذي أنهكه حديث وسمر يوم أمس، وتذكر كيف كان الجد منتشياً وحاضر الذهن وقد أسعده أن ترافقه صحته في أرذل عمره، وتسلل بأقدام خفيفة إلى خلاء الريف كيما يلتقط من السماء أول خيط نقي، ومن الأفق أول لمعة في ظلمة طاغية، وشملته مسرة وسط زفرات الفجر النقية الخالية من البشر، وخال أن الحياة تعدم من الخيانة في الجو الصبيح، وتوارت ذكرى الإسكندرية في خاطره قليلاً، وتمنى أن تعاونه نفسه على زيارة قبر أمه فاطمة،.. كان وسط كل هذا منعماً بسلام لولا أن رأى خيالاً لامرأة تقترب من رجل، وانقلبت عيناه من الاسترخاء إلى الاهتمام، ومن النظرة الكلية غير القاصدة إلى نظرة مدققة ممحصة، وتدانى إلى الموقع الموصوف فحدس بأن المرأة تسنيم وإن جهل ماهية الرجل، واحتفظ بأوصافه جيداً، وتلفتت المرأة حين استشعرت عين رقيب عن يمين وعن شمال فاختبأ المراقب (يوسف) وراء شجرة من الجميز، وثارت المظان في نفسه من تصرفها القلق،.. إن أمارة الآثم أن يخشى وأن يلتفت، وقد خشت كما تكون الخشية والتفتت كما يكون الالتفات، وانتظر يوسف حتى انتهاء الاجتماع الخفي فتبع مسير الرجل بعينه وجسده إلى بيته..
وكان يوم الغد يوماً مشهوداً في الصعيد إذ أقيم فيه المرماح، كان المرماح - في الثقافة الجنوبية - آخر ما بقى من الفروسية، يقترن الطقس الجنوبي بالموالد على مثال : مرماح مولد العارف بالله عبد الرحيم القناوي، وأبو الحجاج الأقصري، والعارف بالله في سوهاج،.. وقد اختارت عائلة نوح الشاب الأبكم كي ينوب عنها لبراعته في ترويض الفرس، اختارته مع مثله من سواه من الفرسان الذين اصطفتهم العائلات الأخرى وكانوا جملة يربون على ثمانين متنافساً، وارتدى نوح - لأجل المناسبة - جلباباً بلدياً وأمسك بعصا خيزران، واجتمع الجميع في ساحة واسعة فسيحة ضمتها الفدادين الخمسة لبهاء الدين : بهاء الدين نفسه، يوسف وابنيه وزوجه، ونوح وابنيه وزوجه، وعوائل الريف المشاركة، وعلا المزمار والطبل البلدي والربابة، وازدحمت الساحة بالسادات والأشياخ، ودخل نوح فوق الحصان إلى الساحة فوهب - كما تجري الأعراف - فرقة العزف إكرامية من المال تحية لهم على العزف الحسن، وأسرع نوح بخيله ورمحه ذهاباً وجيئة في زهو وبأس وسط تشجيع، ولعب الفرس تحت عصاه يمارس - في عرف المرماح - ما يسمى بالتقطيع، وقال بهاء الدين ليوسف وكانا يتحلقان والجمهور الساحة فيما يشبه الحلقة الوهمية، كأنما يشرح له وهما الغريبان :
- الآن جاءت مرحلة المشالاة !
وكان فؤاد يوسف مشغولاً عن الحدث على ضخامته وحيويته، إذ يعود يتذكر مشهد تسنيم ويتعمق في صورتها القلقة المستريبة فلا يهتدي إلى ما يرشده،.. يتساءل : ماذا يحمل المرأة على التخفي في جنح الليالي كالآثمة قبل أن يكشف الصبح سترها؟ وماذا يكمن وراء الرجل الغريب إلا شر مستطير محمول على أذرع الغيب المجهول؟ وجعل نوح يلف بفرسه وبعصا زان ومعه فارس آخر في دائرة واسعة، وكان الدوران الحاد اختباراً قاسياً لطاعة الفرس،.. وطالت المدة تحت أشعة حارقة واشتد على الجوادين اختبار الطاعة، فظنت النفوس بهما الانفلات، وإن هي إلا الحركة الوانية الخفيفة ويتخلى المركوب عن راكبه، كانت أجواء المنافسة قد أوشكت أن تنتهي فتأهبت النفوس لقراءة فاتحة أريد بها أن تذهب عن القرائح شحناء التنافس، وأذن بهاء الدين - مع العائلات المشاركة - بفتح المضايف والمنادر لتقديم الغداء للقادمين من القرى والمدن المتاخمة،.. وبين الترقب والقلق، والاحتفال والمنافسة، وشى يوسف لأبيه بسر ضاق به ذرعاً كالجمرة في صدره، كان الناظر بغير تحقيق يحسب أن الذروة بالساحة ولدى الخيالة والخيل والحق أنها (الذروة) كانت عند طرفها، مال يوسف إلى أذنه يقول :
- أعذرني.. لا أريد أن اقتحم خصوصيتكم إذ أنا هنا عابر،.. لقد رأيت تسنيم زوج نوح فجر يوم أمس مع غريب قرب أشجار الجميز !
وجللت بهاء الدين الذي كان مشدوداً بحواسه إلى ما يجري بساحة التنافس - جللته مباغتة قوية، قال في شدة انهت استمتاعه بالطقس الجنوبي :
- أخبرني عن صفاته الشكلية..
وأجاب يوسف أباه فيما كان جواد نوح يستمر في دورانه فيقترب من الرجلين :
- أبصرته معتدل القامة، أما وجهه فقليل اللحم ذو عظام بارزة، وأما الحواجب فكثيفة حادة الشكل !
وألحق يوسف وصفه بأن نهض واقفاً، ووقف الأب بالتبعية، ثم أشار الابن إلى موضع البيت الذي انتهى إليه مسير الرجل ليلة الأمس، قال:
- هناك اختفى ظله وأثره..
ولم يساور بهاء الدين شك من أنه جعفر فتحرك إثر الصدمة الشديدة مدفوعاً بشيطان الغضب إلى تسنيم فصفعها على وجهها يقول :
- إلهي ! كيف تستحل النفوس الوقوع في المخازي بهذه الطريقة؟ أهذا جزاء الإحسان؟!
وأحدث المشهد ارتباكاً هائلاً لدى الحضور من عائلات الجنوب، واضطرب نوح الذي لمح واقعة صفع زوجه فوق حصانه الآتي فهوى إثر ذاك على الأرض الرملية، وغضبت عائلة نوح مرتين، الأولى لابنتهم وما لحق بها من مهانة الضرب على المشاع التي التصقت بهم بالتبعية، والثانية لسقوط نوح وكان ذلك في الجنوب سبباً للمعايرة، إن أسرة فارس هاوِ لا يجيد الرمح أو يهاب الخيل تعير بأنها لا تملك فرساناً جيدين، وحمي الوطيس بغتة فتوارت مراسم الاحتفال، قال كبيرهم لبهاء الدين :
- كيف تتجرأ على أن تضرب امرأة في حضور ذويها؟
وقال بهاء الدين منفعلاً :
- إذا هي امرأة خائنة لا تحفظ عهد الأمان !
وأمسك الآخر بقميصه الذي بدا منتمياً إلى بيئة المدينة يقول :
- احفظ لسانك أيها الغريب !
وكان نوح قد نهض من عثرته فأسرع إلى بهاء الدين يريد أن يفصل بينه وبين كبير العائلة، وأعان الأخير يوسف على مراده في تخليص أبيه، فيما كان جعفر يرقب في خفاء احتدام الحوادث وتداعي الأسباب، كان كبير العائلة يقول لنوح :
- كيف تنصر الغريب على زوجك؟