خديعة في الميناء الغربي

الفصل السابع : خديعة في الميناء الغربي



صحبت سوسن هشام عزمي - بعد أن ودعا ميدان المنشية وتمثال الخديوي إسماعيل برخامه الأبيض - صحبته في بيئتها المترفة بحي لوران، أبصر الرجل معها وجه الإسكندرية المنعم الرغيد، وآنس ألواناً من النعم جمة تجلت في العمران والبشر فبُهر بها واُفتتن، وهام في صنوف الثراء المترع بالوفرة هياماً أورثه الاستهانة بالمعاناة والشقاء،.. وكان يحدث أن تقول له تشير بسبابتها إلى إحدى الفيلل :

- إنها (الفيلا) للخواجة إدوار لوران صاحب مصانع الدخان، وإليه يُعزى تسمية الحي الذي نحن فيه !

وكان يدور حول نفسه حيث يبصر معالماً خلابة من الحي الراقي يقول :

- ما أجمل الحياة هنا !

وأظهرته المرأة في خلال سعيهما على كلية فيكتوريا وكانت إحدى أعرق المدارس التي تجاور الحي، فخفق قلبه حين رؤية مبناها بالرضا والسرور، وقالت في سمر :

- تخرج فيها الملك حسين وعمر الشريف وشقيقي !

- سيكون من الرائق لو أراه (يريد شقيقها) !

ويعود يساورها التأثر فينتقل بها إلى لهج البكاء :

- لقد هاجر شقيقي من مصر بعد يوليو وقبل أشهر،.. ألم أقل بأن الطبقة ستنهار شيئاً فشيئاً على رؤوسنا؟!

وأجابها في جدية وهو غير المنتسب إلى الطبقة :

- فلنحسن الظن بالمستقبل.

وتعرف إلى أبيها منصف الدمرداش، هذا الممسك بالسيجار الفاخر من نوع Padrón Serie وكان من كبار تجار الحديد، وقال له هشام في خجل انتابه من إحساس الأفضلية الاجتماعية التي يصدر عنها محدثه، ملتمساً ما يرفع به الكلفة :

- ياله من سيجار ممتاز !

ورمق الرجل الثري صورته المتواضعة بأكمامه المشمرة وسرواله المرفوع بنظرة تداني الازدراء وتنتهي إلى ما يشبه اليأس :

- إنه (Padrón Serie) الأرخص بين السيجار الفخم، لقد ودعت Lux (صنف آخر من السيجار الفخم) وداعاً صامتاً،.. إني أروم أن أعود نفسي على حياة التقشف، إذا ما وقع سوء في قادم الأعوام !

وكان يقول بعد أن يزفر دخاناً فلا يستحسنه كالمستهلك لبضاعة استهلاك المضطر :

- حدثتني عنك سوسن حديثاً طويلاً، غير أنها غفلت عن حياتك الأسرية،.. هل أنت متزوج؟!

- أجل، (ثم كالذي يدرء عن نفسه شبهة ما) إن ابنتكم (سوسن) صديقة..

- ما من صداقة بين رجل وامرأة إلا ويعتريها نوبات حب، إنها قاعدة خلصت إليها من تجربتي.

واحمر وجه سوسن واضطرب وطفق حلقها ذي شكل الهلال - على إثر ذاك - يروح ويجيء، قال الرجل في ابتسام متكلف :

- أليس ثمة استنثاء لكل قاعدة؟

- أجل، ربما..

- وما أخبار الصناعة؟

واكفهر وجه منصف الدمرداش، قال في استرسال :

- إني أرى الصناعة تغوص في وحلة المد الاشتراكي والقومي، إن من الخواجات من كان لهم باع في الصناعة، على مثال هنري نوس رائد صناعة السكر، والإيطالي صموئيل سورناجا رائد صناعة الطوب والخزف، فضلاً عن أرنست ترامبلى الأب الروحي لصناعة الأسمنت، والكونت دى زغيب رائد صناعة المربى! بربك.. ماذا بقى من سيرة كل أولئك؟ هل بت تسمع عنهم؟.. لم تكن مصر قبل يوليو جثة هامدة أبداً، ولم تولد في يوم رحيل فاروق عنها، واليوم أشعر أنني مرتهن تحت تهديد سيف كسيف داموقليس بينما تتردد الأصوات إلى مسامعي داعية إلى التأميم - مرتهن لحياة من المجهول والخوف.

وعاد هشام عزمي إلى المصبنة يصفّر وقد انتابته نشوة سرور بدا أنها انتهت ما أن جاز عتبة الباب، وكان ينظر للخواجة بعين الارتياب، واستقبله الخواجة بدوره الذي كان يفكر في صمت :" ما أرهف الرجال وأخف عقولهم ! بمقدور امرأة أن تسعدهم !"، يقول :

- لا تقلق،.. إن سرك في بئر من الكتمان، إنها (يريد سوسن) أصفى جمالاً من النسوة الشعبيات ولا لوم عليك !

وكشر هشام عزمي عن أنياب الغضب، تغضن جبينه وانتشرت فوق رأسه سحابة كئيبة، قال :

- وهل أن لديك خياراً آخر؟

وقهقه الخواجة الذي سره أن يمسك بأعصاب من يبغضه، وعلا في الراديو نبأ يقول بتوقيع اتفاقية جمعت بين جمال عبد الناصر بصفته رئيس وزراء مصر آنئذٍ وبين أنتوني ناتينج وزير الدولة للشؤون الخارجية البريطاني، وأما الاتفاقية فنصت على جلاء البريطانيين بالكامل عن مصر في غضون عشرين شهراً وانقضاء معاهدة التحالف التي كانت قد وقعت في لندن في عام 1936م، وابتسم هشام عزمي ابتسامة ظفر، وجعل يغمغم ويهسهس :"عشرون شهراً، إلهي.. ما أبطأ عجلة الزمان ! وما أشقى الانتظار !"، وغسل الخواجة يديه بالماء ومسحهما بالمنشفة وهو يقول متأثراً بما سمع :"آه ! إلهي ! ماذا بقى من الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس إلا الذكرى والأطلال الدارسة؟! منذ العصر الفيكتوري وحتى اليوم.. ماذا حدث؟!"، واقترب هشام عزمي من محدثه يقول في بعض تأدب غريب عن مسلكه المعتاد :

- إني أطلبك في خدمة !

وتقدم الخواجة بضع خطوات حتى أمسى قريباً منه، قال :

- لقد صدقت عزيمتي على الهجرة إلى الندن، سيفضي الحال إلى انفجار بين الحركة الجديدة وبين الإنجليز، وأخشى أن نكون (يريد الجاليات الإنجلزية) كبش فداء لصراع لا ناقة لنا فيه ولا جمل !

وتبسم هشام عزمي حتى ظهرت أضراسه، فها قد تحقق الأمل المرتقب، ورأى نفسه مالكاً لعقار على شاطئ البحر،.. قال :

- إنه خير قرار تقدم عليه، إني أؤيدك فيما تذهب إليه.

وهنا استطرد الخواجة :

- ثمة عائق واحد، إنهم الجنود المصريون، أخشى أن يفتّشني نفر منهم في ميناء الهجرة، إنك تعرف ما أورثته التقلبات السياسية من حزازيات بين المصريين وبين الإنجليز، وقد يستحوذون على شيء كبير مما ليس لهم حق فيه من ثروة بذلت في سبيلها عمراً، انظر إلى ذاك البالطو، سأملأه بالأموال، وسوف تسدي إليَّ خدمة مهمة جليلة، ستعيده إليَّ لدى بوابات السفن المهاجرة إلى إنجلترا، أعرف أنك صعب المراس ولكنك لست لصاً فجاً، إن بك شيئاً من حب الذات - سمه الغرور أو الكبر إن شئت - يجعلك تنأى بنفسك عن الانخراط فيما يلحق بك الضرر، وتتنزه - لأجله - عن أمور من شأنها أن تجر عليك العواقب الوخيمة.

اضغط على رابط الصفحة الرئيسة لمزيد من الموضوعات : روايات قصص


وقال هشام عزمي :

- أتريد أن تخرق القانون مرة أخرى؟ تريدني أن أكون شريكاً لك في تهريب ثروتك بعد أن أردتني قاتلاً للملك؟

وهنا جلس الخواجة على مقعده في يأس مصطنع، قال في أداء ممسرح :

- آه ! إلهي ! كنت أحسب أن للعشرة في بلادكم ثمناً،.. (ثم في مكر) هل تعرف زوجك شيئاً عن هذه المرأة التي تأتيك فتصحبك في جولة تعود بعدها ثملاً بالسرور؟

وهنا قاطعه الشاب في غضب، قال :

- أتقايضني بهذا؟ بئس الطباع طباعك !

- أعرف أنني لست مثالياً، (ثم في همس) ومن عاشر اللئيم تطبع بطباعه !

وانتهى بينهما الجدال إلى الوفاق، وتمخض توازن الخوف عن الإذعان المتبادل، وجلس الخواجة يأكل البسكويت يقول :

- سأكون في لندن أقدر على إتمام الحمية بعد أن تقوى عليها إرادتي، يقولون بأن المناخ البارد يساعد على خفض الوزن،.. سأفتقد كل شيء هنا،.. هل تعرف أنني أحببت الإسكندرية البطلمية والرومانية والمسيحية والعثمانية؟ أحببت الإسكندرية في كل عصر مرت به وقرأت عنه ما خلا عصراً واحداً هو هذا العصر، وحتى لقد راقني الأثر الأندلسي والمغربي فيها.. أحببت الشاطئ الذهبي، الرمل الزعفراني، آثار المدينة العتيقة، من المسرح الروماني، ومدرجه ذي شكل الحدوة، وصفوفه الرخامية الثلاثة عشر،.. إلى قلعة قايتباي، وذكرى المنارة المتهدمة، وجزية فاروس، وطيور النورس عند الوكالة الحمراء، وألوان المدينة الزرقاء الواضحة، وسحابها الوضيء الرقيق، وبائعي المثلجات والدندورمة على امتداد الكورنيش، وأشجار حديقة المنتزه،.. وحتى رائحة الصابون، وزبائن الحانوت، وخلافاتنا ! سألوذ إلى هنا وجدانياً متى أعيتني السبل كما يلوذ الضائع بالمروج الخضر.

وقال هشام عزمي في تأثر زائف :

- لا ريب أن المدينة ستفتقدك أيضاً.

1956م..

وتحققت نبوءة الخواجة فأمر عبد الناصر بعد أزمة السويس (العداون الثلاثي) بترحيل الإنجليز دون أملاكهم، وجرى فرض الحراسة على جميع أملاك الرعايا البريطانيين والفرنسيين وفقا للأمر العسكرى رقم 5 لهذا العام،.. ومضى الخواجة في مخططه الذي أمسى يلح عليه إلحاح الضرورة فسلم مساعده هذا البالطو المملوء بالنقود، ووقف لدى بوابات السفن المهاجرة ينتظر أن يأتيه شريكه، وطال الانتظار، وعلا صفير السفن، وارتفعت الحمائم والأعلام في أفق المهاجرين، وتضاءلت صورة الآدميين أمام مركبات هائلة التكوين تمخر عباب البحر، وازدهرت حركة السفن - كدأبها - في الميناء الغربي، وهبت الرياح الشمالية الغربية فاهتزت لها بدن الخواجة واقشعر برداً، كل ذاك، والرجل يترقب حضور من لم يجئ،.. كان الخواجة يسأل الواقفين عنه بعينين مدققتين، فيصف منظره كالحائر :"ليس فارعاً ولا قصيراً (مربوع)، وله وجه وافي التقاسيم، وأنف أقنى، وشعر ناعم مع هذا.. إن اسمه هشام!"، وأضناه الانتظار حتى امتلأ بالحقد وعزم على السفر دون أمواله، وغمغم منذراً ومضمراً رغبة في الثأر والانتقام.. وفي موقع آخر كان هشام عزمي يقول لصابرين وهو يمسك بيديها وقد امتلأت خزانته وجيوبه بالأموال :

- لقد هبطت إلينا الثروة، وسوف نحوز فندقاً على شاطئ الكورنيش مثلما كانت أحلامنا !

وأبدت صابرين تحفّظها على الأمر بادئ ذي بدء لجهلها بمصدر الثروة غير أنها ما لبثت أن قبلت بما هو كائن قبولاً تولد من رؤية الثمار الناتجة عنه، وحدث أن وقفت في شرفة هذا الفندق الجديد تستمع بتأمل مياه البحر المتوسط الزمردية، وعجبت حتى ما عجبت منها، وقالت :

- لم أتصور أن تجارة الصابون مربحة إلى ذاك الحد !

وقال :

- لقد بعت المصبنة !

وهنا التفتت إليه وكان يقف وراءها، قالت :

- وماذا عن الخواجة رجب؟

- لقد رحل مع البقية من الجالية البريطانية.. ألم تأخذي علم بالأمر؟!

- غريب ! كنت أخالكما رغم ما بدا بينكما على السطح من خلافات حلقتين متحدتي المركز، أنت تمثل اللحاء، والخواجة يمثل القلب !

- الغريب هو قناعتِك هذه،.. لم أكن والخواجة على وفاق أبداً.

وجعلت المرأة وبعلها يتفقدان هذا المدخل الرخامي للفندق وأجنحته وحجراته في بشاشة، كانت مريم قد أتمت عامها الحادي عشر، أما عز ففي السابعة، وكان الطفلان يتسابقان في المدخل الرخامي ويلعبان الاِستُغُمّاية، وأما صابرين فتتابع حركتهما ملتاعة الخاطر بقلب مستطار مخافة أن يمسهما سوء، خصوصاً بعد أن عصب عز عينيه، فجعلت تصيح به أن يتفادى هذا الكرسي الخشبي، وإنها كذلك حتى ساورها سؤال :"ماذا لو أن زوجها يكذب ويحتال؟" فأمسكت عن الاهتمام بالطفلين بعض إمساك وانتقل بها خاطرها إلى جواب السؤال المعلق والتأمل في أبعاده، وتفادى عز الكرسي الموصوف ثم ما لبث أن انزلقت قدمه على رخام الأرض وجعل يتلوى من الألم فانفجر باكياً، وهرعت صابرين إلى وليدها في لهفة أمومة، وبرزت لدى جبهته كدمة استوعبت الاحمرار المتولد والدم النافر، كانت القلوب - إثر هذا الذي وقع - عوابس وقالت المرأة لزوجها في عاطفة بلا عقل :

- لاجرم أن وراء هذا الفندق مورد حرام !

واستحوذ على هشام الخوف وهان عليه أن ينكشف أمره فوق أن يتمادى في الاختلاق يثقله، كأنما بات يصدر عن المثل : "كاد المريب يقول خذوني."، قال في هزو يداري به اضطرابه الكامن :

- من المنطقي أن يهوي طفل معصوب العينين على أرض رخامية،.. ما حاجتنا إلى تفسيرك؟

ونظرت إليه نظرة ثم عادت تطبب وليدها، قالت :

- إن قلبي يحدثني بالشر !

وتولى عنها يقول :

- أتعس بك من امرأة لا تألفين إلا المنكدات !

وأشارت في ابتسام عارض إلى مريم أن تذهب بعز إلى الطابق العلوي فيلعبان - ها هناك - بفخار الأواني والنمارق، ثم قالت لزوجها فيعود وجهها إلى سابق غضبه :

- فلتقصد إلى سوسن إذن، ولترتمِ في أحضان عالمها الثري.

وصاح بها يقول :

- لقد انتهت سوسن منذ كامب شيزار !

وصدقته المرأة هذه المرة أو قل شاءت أن تصدقه، وفرش في المدخل الرخامي بُسط حمراء وذهبية ذات خطوط متقاطعة مكونة لأشكال المعينات، أريد بها أن تقي من انزلاق الأرجل وهفوات السير، علاوة على تجميل المدخل، ووضعت تماثيل وتصاوير من الحيوان من هاته التي يقال بأن الجان تألف أن تسلكها،.. وطرق باب الفندق طارق فدلف وهو يشهد فصلاً من فصول خلافهما العاصف المستمر بعين الريبة يقول :


- أريد حجزاً هنا !