أكاليل من الحب

   الفصل السابع عشر : أكاليل من الحب



صحب العجوز عبد الرحمن ومريم الفتوة أبا جريشة إلى سوق الورديان يريدان أن يبلغا العربي بما استجد من عودة الفتوة إلى كاره القديم، كان العربي واقفاً يؤمن مرور الفلاحات وبضائعهن، على حين تقدمت مريم بين عربات النصف نقل وأقفاص ثمار البرتقال، تريد أن تخبره بما لديها،.. لولا أن سمعت نداءً متحدياً، يفيض بالعتو والجبروت :

- ما أهون ما انحدرت إليه الفتوة في الورديان ! العربي يتخفى وراء بدين اسمه سامي !

كان الصوت لجاسر، وتطلعت مريم إلى صورته فكان أسمر بشعر أكرت قصير ونظارة تخفي إصابته بحرق، ثمة ذاك المعطف الجلدي، والبنطال الجينز، وكذا الأنسيال الفضي الضخم، وحل الفزع وسط الفلاحات اللاتي أسرعن يمررن البضائع عل أكف نشطة، وقد حدسن بأن نزالاً سيقع عما قريب، وكاد العربي يجيب المجاوز لولا أن مريم قالت :

- دعه وشأنه،.. لقد عاد أبو جريشة !

وتقدم أبو جريشة إلى الساحة تقدم الشجعان المغاوير فتكاثر عليه خصومه من تلامذة جاسر، ولم يجد سامي بداً من اللحاق بأبي جريشة يؤزره، فيما كانت مريم تمنع العربي لخوفها عليه وعلمها بفوارق القوة بينه وبين البقية، والأخير بقى متأهباً للحظة الحقيقة كالفارس يصقل ويثقف رمحه بتجلية سنّه استعداداً لساعة المعركة.

وشغلت الفتاة بالنزال الضاري فانهمكت فيه حيناً، فلما أرجعت البصر إلى العربي لم تجده، كان الرجل قد تقدم إلى النزال الصعب بخطى واثقة لا يؤيدها بنيانه الواهن الهزيل، كانت الفلاحات يهتفن لطرف أبي جريشة وسامي والعربي الذي أخذ في الانهزام والتقهقر، وانفطر فؤاد مريم حين تلقى العربي ضربة من نابوت أصابت منه موضع الرأس فأسلمته للأرض، فهرعت إليه تبكي جزعة، وسرعان ما تبين أن الضربة قد أردت العربي صريعاً،.. ماذا يبقى من المعاني في غمرة الخوف؟ إنه الجزع يلتهم كل المعاني الخبيثة كصندوق الشرور (باندورا)، يبدو نور وانٍ في غاية سبيل يملأه غبش الظلمة، لا.. لن تصدقه.. لن تصدق هذا الأمل، لقد خُدعت ببريقه الغادر ألف مرة، ما الروح؟ ما الموت؟ ما الحياة؟ ما الحق؟.. وتهاوى بناء العدالة في لحظة أمام عينين اغرورقتا، إن هذا إلا قلب تمزق نياطه، الحكمة هي ما يبقى بعد انجلاء الغبار عزاءً للاستمرار، ولتقبل بالمر راضية متجلدة، وستضع أكاليل من الحب مجردة،.. واشتد بالفلاحات هاتف تواطئن على تلبيته، وأخذن يرمين بالثمار جهة جاسر يردن تشتيت قواه ومن معه، وحمل أبو جريشة وسامي على خصومهما حملة واحدة فعاد الميزان يميل في الاتجاه الآخر، وحل الصفو بعد الكدر، هرع عبد الرحمن إلى صديقه، قال في صوت هامس لم تسمعه إلا مريم :

- كان يجب أن تغتسل بالماء المالح قبل أن تنصرف..

وعلا نحيب الفلاحات كأهزوجة وداع لمن دافع عنهن في جسارة كالحمق.

عادت مريم إلى الفندق البحري وفي قلبها جرح كخنجر أبقت عليه فكأنما لم تشأ أن تنتزعه فتموت، ومسحت دمعاً هتوناً لدى ناصية الباب، استقبلتها صابرين :

- إلهي ! هل عدتِ أخيراً ؟!

كان عز على صغره قد فطن أن أمراً وراء صورتها الواجمة، قال :

- ما الخطب؟

- وكيف عرفت أن ثمة خطباً؟

- وأشار إلى فستانها الذي تلون واتسخ بسبب الثمار والأوحال ثم إلى أنفها المحمر بسبب البكاء، قالت وهي تداري طرف الفستان :

- إنه البرد يزكم الأنوف.. لماذا لا تلعب مع السلحفاة؟ بمقدورك أن تستمع لبابا شارو !

وحضرت صابرين فقالت غير واعية بمشاعر تختلج البنت :

- إن أباكما (هشام عزمي) سيزوركما زيارته الأسبوعية، أخبراه بأن حياتكما ما تأثرتا بعد الطلاق ولا انتكستا، وتحليا بالأدب ما أمكن..

وكانت قد صابرين بعد الطلاق إلى العمل مترجمة للإيطالية، تخلت عن عملها معيدة في الكلية التي شهدت على نبوغها يوماً، إنها لتقف متجشمة مسؤولية الإعالة وحدها كالطود العظيم،.. وحضر هشام عزمي مشحوناً بالهدايا فقبل ابنيه فيما كانت صابرين فاترة الخاطر، وسأل مريم :

- أين تريدين التنزه؟ فلتختاري ما تشائين من أمكنة !

وكانت شاردة في طيف العربي كأنما باتت تصدر عن قول المتنبي : "سأسلوا لَذيذَ العيشِ بعدك دائماً.. وأنسى حياةَ النفسِ من قبلِ أنساكا.."،.. أجابت مريم بعد فترة شرود :

- السينما..

وكان عز قد جعل يصرخ :

- لن أسامحكم إذا لم يكن فيلم فريد شوقي الجديد، يقولون بأن مشاهده صُورت في ميناء الإسكندرية،.. أريد أن أرى الأسطى جاد (محمود المليجي) أيضاً !

وأبدت صابرين تحفظاً على مصاحبة الولدين إلى السينما رفقة طليقها بادئ ذي بدء، على أن مريم استوحشت أن تبقى الأم في جناح الفندق وحدها بينما يتنزه البقية من أفراد الأسرة، وعليه،.. قبلت الأم بإيعاز من ابنتها أن تصحب طليقها في يوم التنزه،.. وانتهى العرض، كان ثمة صبيان أمام السينما يمسكون بالسيوف الخشبية يتمثلون هذا الصراع بين الخير وبين الشر، هذا الذي رأوا لتوهم صورة منه في فيلم "أبو أحمد"، يجسدونه على منوال صبياني ساذج، وسرعان ما وثبت إلى خاطر مريم ساعة المعركة التي شهدتها في سوق الورديان، وما أفضت إليه من عواقب أدمت قلبها، كان ثمة صبي يمسك بسيفه الخشبي يهدد به صبياً آخر طريح الأرض، ورفع الأول السيف كأنما يروم أن يجهز على الثاني وسط دعاوي مشاغبة بالتعجيل بالأمر من الصبيان الواقفين، وهرعت مريم تاركة أبويها وأخيها في لهفة مبالغة، ودفعت الصبي المهاجم بيدها حتى هوى جنب الأول، دفعته وهي تصيح به :

- فلتتركه،.. فلتتركه !

اضغط على رابط الصفحة الرئيسة لمزيد من الموضوعات : روايات قصص


وعلت ضحكات متقطعة بعد صمت قصير سرعان ما استحالت إلى وحدة واحدة في أنحية ذاك الحشد الخارج من دار العرض، وقال الصبي الذي وقع من موقعه :

- إلهي ! أيتها الحمقاء ! إنه سيف خشبي !

وعادت إلى أبويها مجللة بالخجل فيما كان عز يقول :
- كان هذا رائعاً،.. كان الصبية يسببون إزعاجاً !

وحاول هشام عزمي أن يطيب خاطر مريم بحركة يده المواسية على رأسها، على أنه سرعان ما انفجر هو الآخر في الضحك فتورد خدي البنت كأنما عدمت من سند معنوي في موقف مخجل، وأمسك هشام عن قهقهته بغتة كأنما يتذكر شيئاً مهماً، يقول لزوجه (صابرين) :

- ثمة امرأة تريد أن ترى مريم وعز رأي عين، لقد عبرت عن أشواقها هذه لي في غير مناسبة.. إنها تنتظرنا في حي لوران !

وقالت صابرين ووجهها ينتقل من الحياد إلى الغضب :

- سوسن؟! أيها الخجل.. أين حُمرتك؟ إن هذا مستحيل..

وقال :
- سأتزوج بها،.. من العار أن تمنعي عنها رؤية الطفلين..

وأشاحت وجهها تقول :

- العار هو ما تطلبه..

- سأصطحب الطفلين وحدهما، بمقدورك أن تعودي إلى الفندق.

وهبط إلى مستوى عز ومريم يقول :

- ستمنحكما سوسن هدايا جمة، لقد اتفقت معها، إن لمريم عروسة مزينة ولعز قطاراً بقضبان.. إنها امرأة طيبة !

والتفت عز إلى أمه يقول :

- أريد أن ألعب بالقطار !

وقالت الأم لهشام في انفعال جديد :

- ما أخبث طباعك !

وعلا صوت الأب حتى لفت إليه انتباه نفر من الواقفين :

- تعيشين في جناح بفندق يطل على البحر بفضل زوج خبيث الطباع! أي مغالطة هاته؟

وقالت كأنما تأبى أن تسلم لسوسن بفضل عليها فتنسب إيثار زوجها للثانية إلى المصلحة البحتة :

- تريد أن تتزوج بسوسن لثراء أبيها، إنك تتملقها لغرض في نفس يعقوب، تريد أن تنهل من ثروة تاجر الحديد بعد أن سرقت الخواجة المنكوب، هكذا يعتاش الطفيليون على كل الموائد !

- .....

ووقف هشام أمام العقار المملوك لمنصف الدمرداش، وكان ينتظر أن يجده في شرفة الطابق الثالث يدخن سيجاره المتقشف، الثمين مع هذا من ماركة (Padrón Serie) فينقل الرجل خبر مقدمه وابنيه لسوسن، التي تهبط بدورها لتلتقي بالصغيرين ومعها الهدايا، على أن منصفاً لم يظهر في شرفته ولا لاح منه السيجار أو الدخان، وصعد هشام رفقة نجليه إلى الطابق الثالث وقد نسب الأمر إلى السهو، ودلف إلى الباب فاجتاز مع نجليه ممراً - كالبهو - تحفه أصص من أزهار الكاميليا الوردية والحمراء، ووجد في غاية الممر سوسن ترش أبيها بالماء، واستقبلته بقولها :

- لقد أُممت شركاته، وغاب إثر الخبر الصادم عن وعيه !..

ووقفت المرأة - المثقفة أو المتمسحة بالثقافة - تصب جم نقمتها على رموز الأيديولوجية السياسية التي تسبب في إضاعة ثروة أبيها من كارل ماركس وحتى جمال عبد الناصر، كان هشام عزمي جاهلاً بما يسمع من أسماء وإن وقع منه الخبر موقعاً صاعقاً، وحتى لقد بدت له سوسن في غيبة بريق الثروة امرأة عادية، فجعل يُسائل نفسه عن السبب الذي من أجله آثرها على صابرين،.. كأنما طفق يراجع نفسه فيتراجع عما كان فيه، إن ثقافة المرأة المسربلة بطابع الثراء والترفع هي ما كان يضفي عليها لمعة الخصوصية في نظره، وأما حين افتقدت لهذا الغلاف فقد عادت امرأة كأي امرأة،.. ونحى باللائمة على قرارات التأميم يداري اضطرابه الكامن فأفاق من استغراقه يقول صائحاً كمزارع احترق محصوله :

- إنها سرقة،.. إنها سرقة باسم المبادئ المزيفة !

ولاحظ الشاب المنفعل أن مريم وعزاً لا يزالان يقفان - قرب أصص أزهار الكاميليا لدى البهو - فلم يشأ أن يراه الصغيران على حال الاضطراب هذه، ولعله خشى من أن ينقلا إلى صابرين صورة ما وقع له بعد طلاقه منها فتشمت المرأة به وبسوسن ثم تزداد فرحاً بمصيبته وضجراً بأحواله، وأشار إلى نجليه في لحظة صفاء عارضة أن عودا إلى الفندق، وتحركت مريم فيما وقف عز فجعلت الفتاة تشد أخاها شداً والآخر يقاوم يدها كأنه شجرة راسخة جذورها، وقال الصبي في أسف وهو يأخذ ينسحب :

- ولكنني أريد القطار ! جئت لأجله..

وعلا صراخ الولد حتى يقظ منصف الدمرداش من غفلته، جعلت سوسن تقول لأبيها :

- حمداً لله على سلامتك، إنها (أي سلامته) فوق مصانع الحديد أهمية!

وكان هشام عزمي - كدأبه - يزن الموقف بميزان المصلحة فلم يبدِ هذا الانفعال المماثل ليقظة الرجل الغافل، وقال منصف حين بدأ يسترد وعيه :

- لقد نجت السيارة لأنها لم تقع في نطاق المصانع المأممة،.. إلهي ! أي مسرحية عابثة بتنا نعيش فيها؟


وفي مشهد غير بعيد كان وجدان مريم لا يزال مشغولاً ومثقلاً لوفاة العربي، تجوس فيه الخواطر، وقد تاهت الفتاة وأخوها في شوارع حي لوران، وجعلت تسأل العابرين عن شارع شعرواي باشا (الشارع الرئيس بالحي من الكورنيش وحتى شارع أبي قير) علها تهتدي إلى طرف الخيط، وكان العابرون يرموقون الصغيرين بنظرات الارتياب، ثم ما يفتأون يمضون !