حب تحفه القناديل العائمة
الفصل الثاني : حب تحفه القناديل العائمة
كان مراد يرقب التغير الذي طرأ على ريش عصفور الكوكاتيل بقلق بالغ، اكتسى ريش العصفور بلون زيتوني وشى بما نزل به من خلل في إنزيمات الكبد، كان مراد يرقب هذا حين أتاه صديقه جمعة يقول :
- هل أدخل؟!
ولم يجد استجابة من محدثه فجلس على كرسي مقابل في حين كان مراد يطعم العصفور يدوياً، ويضع الدواء مصحوباً بالغذاء، وقال جمعة :
- من عجب كيف يبدو العصفور أجمل بلونه الزيتوني، قد يحسبه الرائي متزيناً، أليس الأمر كذلك؟ أعلم أنك حزين بسبب ضاحي، فلتحوطه أذرع العناية، وليمنحك المولى السلوان، لعلك لا ترى إلا الخسارة فيما وقع، إن مثلك لا يرى الحكمة إن عثر بها..
ولم يجبه مراد وواصل انشغاله بعمله، فقال :
- لشد ما يؤلمني ضميري حين أتذكر أنني كنت سبباً في الإيصال بينكما، ليتك تُعيرْني بعض اهتمام مماثل لما تعيره للعصفور الجميل !
والتفت إليه مراد - لأول مرة - يقول :
- وكيف تريد أن تكفر عن وزرك؟
- سنعمل سوياً.
- لن أترك العمل هنا.
- يمكنك الجمع بين العملين، فلتسمعني : تملك ولدين، علاوة على نرمين التي تركت لك أخوة خمسة، ثمة هذا الببغاء المريض أيضاً، تحتاج إلى المال، إلى الزواج أيضاً، إنه وصية ضاحي الأخيرة لك، إلهي ! إنه لعبء يصح أن يتنصل منه أتقى الأوصياء، سنعمل سوياً في مجال العقارات، أنت تضيع ثمرة حياتك مع من لا يقدرون مواهبك كمن يلقي درره للخنازير!
ودلف عبد الغني فتساءل وكان قد استرعته كلمة "الخنازير" :
- فيم تتحدثان؟
وقال مراد وهو يعود يطبب الببغاء، في شغب :
- كان جمعة يقع فيك !
وقال جمعة كأنما يدرء عن نفسه تهمة لم يأتِ بها :
- نصحته بالعمل الإضافي ومضاعفة الرزق.
وقال عبد الغني منفعلاً :
- نصيحة في موضعها !
وتساءل مراد :
- بهذه السهولة تتخلص من ساعدك الأيمن؟
وقال عبد الغني :
- أصاب صاحبك ولو أخطأ في حقي..
وقال جمعة :
- سنلعب البلاك جاك كي نحدد.
- من السفه كيف تحدد لعبة الحظ مصائري.
ووزعت الأوراق في حين كان خطاب السياسة قد اشتغل على تلفاز صغير، وابتلع عبد الناصر المنكشف من نافذته بهيئتة الجسيمة يتلو جزءً من بيان 30 مارس :
- " قبل الآن لم يكن فى مقدورنا أن ننظر إلى أبعد من مواقع أقدامنا؛ فلقد كنا بعد النكسة مباشرةً على حافة جرف معرض للانهيار فى أى وقت. وكان واجبنا فى ذلك الظرف يحتم علينا - قبل أى شىء آخر- أن نتحسس طريقنا إلى أرض أصلب تتحمل وقفتنا، وأرض أرحب تتسع لحركتنا.".
يقترب المتنافسان، مراد، وجمعة من الرقم 21 فيسحب جمعة ورقة في تحسب، فيما يتريث مراد ليقف على التصرف الصحيح، كان يقول :
- يبدو الرئيس عبد الناصر شاحب الوجه رغم ما تؤشر إليه كلمته من المعاني الإيجابية، يقولون بأن الإنسان متى هُزم عاش كالمائت، حتى إذا انتصر لنفسه عادت له روحه المسلوبة !
وكان عبد الغني يقول :
- زعامات كماوتسي تونج، وستالين، يصطبغ وجودها بصبغة الأبدية الجاثمة ! بعض السذج يقولون بأن ستالين مثلاً نقل الاتحاد السوفيتي من عصر زراعي إلى الإنجاز الذري، وأما أنا فلا أرى فيه إلا مجرماً أمهلته الأقدار، ماوتسي تونج أيضاً يخلط المروجون له بين الخرافة وبين الحقيقة متناسين خلفيته اليسارية المادية، إني أعذرك حين تظن بعبد الناصر طول المعاش، وقد تصدق الحدس فيعمر الرجل فوق ما يطمع بشر، ولكننا لن نعود ننتصر ما لم نغير العقلية التي انهزمنا بها فانتقلت بنا وبه من "أسطورة" إلى "أضحوكة"، هذا ما قصدته.
وأغلق عبد الغني التلفاز يواصل :
- بعض الناس يقولون بأنك يجب أن تنتصر ثم أن تفكر في أن تكون شخصاً أفصل، ديدن الناس أن يفتتنوا بمنهاج من يظفر بالنتيجة.
- الانتصار غير الأخلاقي مؤقت بحكم الطبائع.. أليس كذلك؟
- لا أعرف، هل كنا نصدر فعلاً عن الحق؟
- ...
بعد مُضي وقت قصير من العمل المشترك الذي جمع مراد وجمعة أمكن لمراد أن يشيد عقاراً كاملاً، أراد له أن يكون سكناً مستقبلياً لعائلته الكبيرة المكونة من فردوس، رؤوف، تهاني، وأخوتها، امتلأت جعبة الشاب بالمغانم المادية كالثمار تثقل الغصون التي تحملها.
قصص
البحر الأحمر..
عاد أباظة إلى الاستعداد الكامل لتأمين إحدى النقاط في البحر الأحمر، كان نقاش الجنود دائراً حوله، وقال أولهم :
- فقد الناس الثقة بنا..
وقال ثانيهم :
- تحدث عن نفسك، المشكل مشكل الدعم العسكري الذي نحصل عليه من روسيا، إنهم بخلاء حد اليأس.
وعاد الأول يقول :
- تحدث ببعض المنطق عمن يؤمنون المجال الجوي للبلاد !
- سنتولى أمرنا بأنفسنا حين يعود يشتد عودنا.
كان أباظة ساهماً، مطرق إلى البحر حين لفح وجهه نسمة قوية جعلته يتقي النظر إليه، ويستدير إلى حديث الجنود، وسألوه :
- ما رأي أباظة أفندي؟ هل تدري أن وصفاً كهذا الوصف : الأفندي، أو الباشا، يليق بصورتك؟ شارب كث ومنكب عريض،.. هل تملك أصولاً تركية؟
وكانوا يوغلون في صنوف السخرية منه والتهكم فيقولون :"لعله لا يفهمنا، إذ هو لا يتحدث العربية.."، فيغربون في الضحك، وقال أباظة حين انتهى صدى آخر ضحكة، معلقاً على الحديث الأول :
- نحصل على البنسلين من الخبز العفن، لا يجب أن يفقد الجندي ثقته بالنصر أبداً.
كانت هبات الهواء تعصف بالأمواج الصوتية لعباراته القوية المعنى، ولكنها - رغم ذاك - كانت من الشدة حتى أنها وصلت إلى أسماع الجميع، فحضت بعض الجنود على التحفز، فيما قال بعضهم له :
- مشهد انكسار كامل، آلاف الجثث، لفظتنا الطبيعة كما يلفظ هذا البحر أعشابه المرجانية ! كيف لا يحملك هذا على الأسى؟
وتابع يقول :
- حاربت في اليمن، كنت هناك بلا قبلة، واليوم أبحث عن العدالة في استرداد أرضنا.. فليبحث الواحد منكم عن مواطن تقصيره، وليكن ما حدث فورة الفيضان التي شاءت الأقدار أن تهدم الصرح المصدع.
وسمعت غمغة تمخضت عن القول :
- أجل إن ما يبقى بعد فورة الفيضان هو اللؤلؤ !
وبارك أباظة، الذي كان يبدو ممتلكاً لصفات القيادة بين الجنود رغم اشتراكه معهم في عين الرتبة، بارك القول الأخير، وابتسم لهم كما يبتسم المرء للشخص الذي يعتقد أنه يدرك أفكاره، فيما عاد مسهباً، ومطرقاً، إلى صورة البحر الذي بدا أكثر سلاماً من أي وقت مضى، كان الرجل منكفئاً على حدسه، عظيم الثقة والاعتداد به، وقد يخيل إلى من يراه رأي العجلة أنه نرجسي ذو صلف لما كان عائشاً في كهف نفسه، ولكنه كان - على نزعته الذاتية غير المنكورة - عامراً بالخيور، حتى لقد يخيل للمحقق أنه يحمي الخير الذي في باطنه بتحفظه،.. إنه يتأمل احتمالات البقاء والفناء فتلح عليه نفسه في طلب الزواج وابتغاء الذرية، ولكن مِن مَن؟!. من تصلح له فتؤنسه في ظرفه العسير المستحيل؟! ورأى ظلاً خاله لعروس بحر، وما أسرع ما تبينت له حقيقته الأسطورية، اقترب الرجل من الجزء العلوي البشري فيما كان الموج يخفي ذيل سمكة الحورية، وسألها :
- من أنتِ؟
وقالت :
- أنت تعرفني جيداً.
- ما اسمك؟
وابتسمت تقول :
- اسمي أميرة، سنقيم عرساً بطول هذا الطريق المائي، تحفه القناديل العائمة على وجه الماء !
ثم تبدد خيالها بغتة، غابت عروس البحر في طيات الموج، كان الرجل قد وطأ بأقدامه الماء المالح استجابة للخيال، وحتى لقد تبلل زيه العسكري، وعاد يشمر بنطاله فيما سمع الجنود يقولون :"لا نعرف كيف تهيم نفسه على هذا النحو الحالم، ثم يعود ينقلب رابط الجأش، فينادي فينا الحمية، ويستحثنا على البذل، كأنه المصاب بانفصام الشخصية.."، أحس أباظة بعد رؤيته لخيال حورية البحر إشباعاً لم يدرِ سببه، هذه المرة شعر برغبة في النصر، النصر من أجل البقاء، من أجل حياة مديدة تحفها القناديل العائمة، في فندق سيسيل ذي الغرف الفسيحة بالأسرّة الفرنسية والثريات والمفروشات، أو في غيره،.. أجل،.. لم يتشكك الرجل مرتين في شأن الحورية، إنها أميرة في إجازته القصيرة قصد إلى بيت عبد الغني يطلب منه خطبة ابنته، ارتاب الأب من مطلبه، وقال :
- لن أجد خيراً منك،.. ولكنها ابنة الأعوام الثمانية عشر !
رحبت هدى بعرض الضابط، قائلة :
- إنها محض خطبة قد تطول مدتها..
وقال أباظة للمرأة في امتنان :
- كثيرة أفضالك، سيدتي، أحفظها لكِ في سجل لا أحسب أنني سأوفيه يوماً!
ولم يجد عبد الغني بداً من مجاراة زوجه التي أبدت حماساً عظيماً، وقُرئت الفاتحة في يوم ندب فيه مراد حظه العاثر، وتولاه شعور بالإجحاف، وسأل أميرة بعد أن استوقفها في طريقها :
- لماذا قبلتِ به؟
وقالت في غير قناعة بجوابها، وكانت وقفتها تخفي قلباً مرسوماً على الحائط بطبشورة يقطعه سهم :
- من رغب في الشيء ولم يطلبه كمن رغب عنه..