ميلاد المدينة من حلم

 الفصل الثاني عشر : ميلاد المدينة من حلم




هام الخواجة رجب على وجهه في شوارع لندن الباردة ذات الزمهرير، احتفظ الرجل بالذكرى الغادرة الأخيرة عن الإسكندرية : وقفته في ميناء المدينة تعلوه أسراب الحمام ينتظر مقدم معاونه الذي لم يجيء، وتخايل له عبد الناصر وهشام عزمي كشيطانين في يوم عاد فيه إلى وطنه الأم بخفي حنين بعد أن ضاعت ثمرة عمره سدى، وقضى أول أيامه يكابد النوم في عراء إلى أن تلقفته واحدة من الجمعيات الخيرية التي تأوي المشردين، وألبسه فيها رجل اسمه ديفيد - وكان من الاجتماعيين المتطوعين العاملين بالمكان - بالطو بديلاً لهذا الذي فقده، قائلاً :

- "إلهي ! كيف كانت أيامك قبل اليوم؟".

وقال الخواجة وهو يتطلع إلى صورة المطر والصقيع بالخارج :

- "عسيرة كل عسر ! أني أكره الدخان هنا، في لندن!".

وكانت سحابة دخان كثيفة قد قتلت أربعة آلاف بريطاني قبل خمس سنوات (1952م) فيما عرف بالدخان الكبير Smoke Big ، فقال ديفيد :

- "نتطلع إلى بيئة نظيفة بعد أن أصدر المجلس النيابي البريطاني قانون الهواء النظيف في العام الفائت،.. وما تجربتك؟".

-"لا أحب أن أسرد تجربتي.. شحة المال قيدت أضلعي.. هل لديكم طعام جيد؟ بسكويت؟".

وسمع الخواجة رجب غمغمة عربية تصدر عن رجل سمين غير بعيد، فتقدم نحوه يقول بلكنة عربية متلعثمة جهلها كل من في المكان ما خلا الخواجة ومحدثه :

- العرب ! العرب ! العرب ! لا تكفون عن تدمير أنفسكم والآخرين..!

ولحق ديفيد بالخواجة رجب يقول له في همس وقد فطن أن شيئاً غير مريح قد تفوه به الأول، قال في لهجة منذرة :

- "إنه الأستاذ فضيل، صاحب الملجأ، وعليك أن تحرص على كلماتك معه وإلا ألفيت نفسك أسير البرودة بالخارج !".

ولم تستثر مدير مدرسة الإبراهيمية السابق المعروف بحبه للإنجليز وقناعته بتفوقهم الحضاري على أمة العرب - لم تستثره كلمات محدثه في كثير أو قليل، قال :

- فلتهدأ، أريد أن أتحدث إليك في مكتبي !

ولحق الخواجة رجب بفضيل واجتمع السمينان في ذات المكتب الذي تنكشف من نافذته صورة أصص زرع مرتوي بأمطار غزار منهمرة، وسأله فضيل وقد استأنس بوجود من يتحدث العربية ولو كانت متلعثمة ركيكة، بعد أن أجلسه إزاءه :

- لماذا تحمل على العرب هذه الحملة الشديدة؟

- خُدعت في بلادكم ببساطة !

- أي من بلاد العرب خُدعت فيه؟

- الجمهورية المصرية،.. الإسكندرية على التحديد، إنها مدينة جميلة غير أنها تحفل بالأفاقين !

- هل تعرف أنني جئت إلى هنا من عين المدينة؟

وأبدى فضيل تراجعاً وهو يتفحص صورة محدثه ملياً، قال :

- في كل قوم يجتمع الطالح والصالح في بوتقة،.. ولكن ما أكثر الصنف الثاني في بلادكم ! (وأرخى ساقيه يقول..) قرأت أن الإسكندر اختار البقعة التي بُنيت فيها المدينة بعد أن رأى في منامه هوميروس ينشد أبياتاً من الأوديسة تذكر جزيرة فاروس!

وتابع في صوت مكلوم خافت لا يناسب شاعرية الأوديسة وعاطفيتها بعد أن أسلم يديه لبطنه الأسفنجية :

- تقول الأبيات : «عند مصب النيل وفي خضم البحر الصاخب توجد جزيرة اسمها فاروس، في تلك الجزيرة مرفأ يأوي إليه البحارة ليتزودوا من نبعها بماء يعينهم على الانطلاق بسفنهم إلى أعالي البحار». هكذا كان ميلاد المدينة من حلم عن أسطورة، ومن الطبيعي أن تحفل اليوم ببائعي الوهم والمخادعين،.. كالمدعو هشام عزمي.

- ومن يكون هشام عزمي؟

وجيء للاثنين بكوبين من الكاكاو الدافئ محمولاً على أيدي ديفيد فقُطع استرسال الحديث قليلاً، كان حديثاً عن الإسكندرية في لندن الضبابية الباردة، وقد أورثهما (الحديث) دفئاً، فقال فضيل وهو يحتسي رشفة :

- حدثني عما وقع لك هناك في إسهاب وتفصيل، لدي شغف بالأمر عظيم، إني افتقد الإسكندرية منذ رحلت عنها قبل ما يربو على سنين سبعة في العام 1949م !

قالها متذكراً طيف هدى وعلاقة حبه الأحادية بها، وسرد الخواجة وقائع ما جرى له وسمع فضيل محدثه يردد أسماءً كبهاء الدين وصابرين وكرموز، حتى حدس أمراً خاله بادئ ذي بدء تشابهاً في أسماء يعرفها وتواردت، وسأله بعد أن زم شفتيه في لهفة :

- حدثني ولا تخفي عني.. هل كانت لصابرين أخت؟ ولو كان فهل تتذكر اسمها؟ وماذا كانت صنعة الأب؟ وأين كانت تقيم الأسرة؟

وغير هذا وغيره من الأسئلة التي هيأت لفضيل أن يصل إلى حقيقة الأسرة المشتركة التي يعرفها، وسأله فضيل بعد استوثاقه من الأمر :

- وماذا تريد مني الساعة؟ كيف تتحقق العدالة في تقديرك؟

- إني أروم الانتقام من هشام عزمي.. فإذا لم يكن الانتقام فالفضيحة تنزل به.

وأرجع فضيل ظهره بعيداً من محدثه حتى تسلمه الكرسي يقول :

- لا يجب أن ننتقم.. بين الثأر وإحقاق العدالة ما بين الهمجية والمدنية،.. هل تعرف زوجه حقيقة ثروته؟

- لا أظن.. لقد أخفى عن المرأة حبه الثاني ومن غير المستبعد أن يستر جريمته فيحيطها بالسرية ! هل بمقدورك أن تساعدني؟

والتفت إليه فضيل يقول في جدية :

- إنها الصدفة جمعت بيننا هنا، وبمقدور الصدفة أن تصنع عدالة !

وأمسك فضيل بقلم كالذي سر بمراسلة المرأة التي لا يزال يحمل لها ذكريات ود، وكان الخواجة رجب يسترق السمع لوشوشة الرجل وهو يكتب فيطرب لما يسمع، فاستهل الأول ما كتب بقوله :

"هذه رسالة من المدير السابق لمدرسة الإبراهيمية فضيل الدمرداش إلى الأستاذة هدى..

كنت أود لو لزمت الصمت بعد رسالتي الأخيرة التي أذكر أنني قرنت في خواتيمها بين الأدب وبين نبذ الإلحاح، وأوضحت فيها - إلى ذاك - كيف يكون ضرب الصفح عما ليس للمرء فيه نصيب، ثم التخلي عنه فضيلة محمودة، غير أنني وبعد سنوات سبعة قد مضت على رسالتي أجدني مضطراً لأن أعدال عن قناعتي هذه.. والداعي إلى هذ التغير هو ما بغلني من المهم القلق الذي من شأنه أن يبدل حياة أختكم صابرين.. إذ هو وثيق الصلة بحياتها العائلية وكذا بمستقبل صلاتها إلى زوجها..".

اضغط على رابط الصفحة الرئيسة لمزيد من الموضوعات : روايات قصص


وأسهب فضيل في تصوير سرقة هشام عزمي للخواجة رجب، ووقائع خيانته وكيف أورثت هذه الطعنة الغادرة رجباً الإملاق والعوز، حتى تلقفته الجمعية الخيرية للمشردين المملوكة له، ثم تطرق إلى امرأة (سوسن) كانت تجيء هشاماً بالمصبنة فتصحبه معها في جولات حي لوران،.. وحاولت هدى أن تصد عن نفسها رغبة قوية في إبلاغ أختها بحقيقة زوجها،.. غير أنها ما فتئت أن زارتها في الفندق البحري مدفوعة بهاجس الإفصاح عن حقيقة، تقدم خطوة وتستأخر أخرى،.. كانت صابرين تستمع رفقة عز إلى برنامج الأطفال الذي يقدمه بابا شارو والمسمى بعذراء الربيع جلنار، وكان صوت ينبعث من أزيز الراديو يقول:

-"يا من تفردت بحبي دون البشر.. ها أنا ذا قد أتيت في موعدي!".

ويجيب عن المتحدث الأول ذي الصوت الرخيم صوت أنثوي عاطفي ملتاع :

-"أيها الملك الجميل.. أما خفت الرقباء؟".

-"لا تلحظني إلا عيناك، الكل نائم يا حبيبتي إلا أنا وقلبك فكلانا لا يغفو أبداً!".

- أما يفضحنا البلبل الثرثار؟ أما تنم الورود عن عبير خطاك؟ أما تهمس المرأة الوهنانة بحديثنا..".

وكان عز يتساءل عن معنى الوهنانة حين اقتحمت هدى اجتماع الطفل مع أمه في جناح البحر، ونهضت صابرين تقبل أختها في حفاوة، وأشارت الأم على ابنها أن واصل الاستماع وحيداً فيما تنفرد بالزائرة لاستقبالها، وجلسا (هدى وصابرين) على وسادتين من ريش نعام في حجرة مجاورة تطل على البحر المتوسط، وتساءلت الأخت الكبرى (هدى) كأنما أشفقت أن تبدأها بما في جعبتها وقد أورثها مشهد البحر الجميل أسفاً مضاعفاً :

- وكيف الأحوال هنا؟

- تخالين أني سأكون أسعد وأهنأ أمرأة في فندق ضخم كأنه القصر المنيف؟ ولكني في الحق أستشعر الفندق سجناً هائلاً،.. تبدو أفضل المكانات قبيحة تافهة إذا أحس المرء الشريف نفسه غير مستحق لها.

وأبدت هدى انفعالاً زائفاً لحديث أختها قالت :

- ولمَ؟ كفى الله الشر !

وكان صوت الراديو يعلو من الحجرة المجاورة مترنما بأوبريت عذراء الربيع :" هيا الى الربا.. هيا الى المروج.. نستقبل الصباح.." بينما انصرف عز عن الاستماع لبابا شارو إلى ملاعبة سلحفاء البيت ذات الصدفة الكبيرة في غيبة الأم،.. قالت صابرين :

- قلبي يحدثني بأن هشاماً حاز الفندق من طريق فيه من الآثام ما يؤرق مضجعي! أخشى أن يكون ضلاله قد بلغ حداً يجعل نهوضي لنجدته متأخراً.

وهنالك وجدت هدى الفرصة سانحة تطلعها على رسالة فضيل، وصادف المكتوب بالرسالة وفاقاً داخلياً في نفس قارئته التي قرت به وهدأت نفسها، وأظهرت بدورها محتواه على زوجها الذي قال :

- حاسدة أختك ناقمة على ما بلغناه هنا من آي النعمة، ومن العين (يريد الحسد) ما شق الحجر..

وكاد الرجل يضيف : "ومن حُرم العنب زعم أنه حامض !"، لولا أن صابرين قاطعته في قناعة من أمسك بعنق الحقيقة :

- سرقت الخواجة رجب وأطعمت عزاً ومريم من رزق حرام !

- أراد الخواجة إفساد حياتي.. هل تدافعين عنه؟!

- وماذا عن سوسن؟ وجولاتك معها في حي لوران؟

وأحس هشام عزمي نفسه أسير الأسئلة مغلوب الموقف، كالعادي في مارثون حواجز يجتاز سوراً أو سياجاً فلا يعدم مساره من ثانٍ، فسألها كالمقر بذنبه بغير تصريح :

- ماذا تريدين إذن؟

وقالت تأتي بمعنى جديد كالذي يقفز إلى هاوية فيتخلص بقفزته من شعور الخوف الذي تسببه حالة التعلق بين بين :

- إني أروم الطلاق !

وجللت المفاجأة هشاماً حتى لقد عقلت لسانه حيناً، وفيما هو في ذهوله سمع مريم تقول بينما تقتحم جلستهما بصوتها القلق المذعور :

- إلهي ! لقد قضبوا على العربي !

والتفتت صابرين إليها تقول في استنكار يداني الاستخفاف ولا يبلغه :

- ومن يكون هذا العربي؟ ومن ذا الذي أذن لكِ بالتنزه في أحياء الغرباء؟

وقالت في قلق موصول :

- لقد سدد العربي الكرة واستهدف الضابط، أراد أن يخلص الفتوة أبو جريشة من قبضته، والساعة أمسى أسير القسم! يجدر بنا أن نساعده!

- يجدر بكِ أن تعاقبي !

ووجد هشام عزمي الفرصة سانحة كيما يصرف - ولو إلى حين - عن خاطر امرأته رسالة كادت تدفع بها إلى الطلاق، ولعله ارتأى في ترضية ابنته سبباً إلى تعطيل رغبة الأم أو إثنائها عن مسألة الطلاق كمن يسعى لأن يقدم أوراق اعتماد بعد إخفاق،.. فقال وهو يجثو على ركبتيه في لطف أبوي سابغ، غريب عن شخصيته النرجسية، فيبلغ مستوى مريم أو دونه :

- فلنخرج العربي من محبسه،.. هلم !

وكانت صابرين تقول وهي تتعقب خروج الاثنين بعينين غاضبتين :

- عائلة من المجانين.. سيقع الطلاق على أية حال !

كان العربي قد انتقل من قسم الورديان إلى قسم باكوس مع بعض اللاعبين من الفريق الخصم الذين ثاروا للقبض عليه على خصومتهما الكروية، وصحبت مريم أباها إلى هناك، وكان هشام يسألها وهما راكبين تراماً :

- ومن يكون العربي؟ هل بينكما شيء؟

-....

وكانت مريم ترد بعد صمت على السؤال بسؤال آخر غير ذي صلة في حمرة خجل :

- لماذا تجهر أمي بطلب الطلاق؟!

وأشاح وجهه عنها دون جواب بينما جعل يتطلع إلى صورة المدينة عبر وسيط المركبة المتحركة،.. وسمعا الكمسري ينبهما إلى اقتراب محطة باكوس بقوله :

- "اللي نازل باكوس، اللي نازل العاصمة..".


فانتفضا للنداء واستعدا للهبوط !