إنما الأيام مثل السحاب
الفصل السادس عشر : إنما الأيام مثل السحاب
ألح يوسف على أبيه إلحاحاً عظيماً أن يعود صحبته إلى الإسكندرية حين انتهى يوم المرماح، قال له :
- إن جعفر وقد خرج من محبسه سيظل يترصدك في كل لحظة، وقد تأتيك الضربة من أقرب الأقرباء إليك، أعني أولئك الذين تحسن الظن بهم وتنزههم فوق الشبهات، لقد أمنت لتسنيم أن يكون لها موضع قدم في ربعك، اصطفيتها لنوح زوجاً وشملتها بعطفك وبنعمتك،.. انظر إلى ما فعلته !
وكان بهاء الدين يقول خائب الرجاء كأنما لا يحدث إنساناً :
- لم أتصور أن يسري سم الخيانة في جسد فلاحة مغمضة العينين!
وجاء نوح بزوجه تسنيم التي تسللت إلى الاجتماع مجللة بالخزي، وبدا أنها قد استوعبت درس الماضي فأسلمها الاستيعاب لامتثال كامل،.. وأشار عليها الزوج - إشارة كالأمر الزاجر - أن تقبل يد الشيخ اعتذاراً وكادت تفعل لولا أن بهاء الدين استنكف عن الأمر ساحباً يده كأنما يتقي منكراً، قائلاً:
- فليسامحك الله على خطيئتك.. لقد بت أرى الخيانة في كل وجه، ووراء كل ابتسامة،.. بربكم كيف آمن بعد اليوم؟
وطالت مدة بقاء يوسف فوق الليالي الثلاثة التي كان قد انتوى أن تقتصر عليها مدة بقائه بأسيوط لإخفاقه في إقناع أبيه بالعودة، واشتداد خوفه عليه، ووجد الشاب الفرصة سانحة لزيارة ضريح أمه فاطمة، وكان الأب رافضاً للفكرة لعلمه بما ستجره عليه زيارة الموتى والقبور من إيقاد شعلة الأحزان، ودلف يوسف رفقة زوجه إلى حجرة أبيه الذي كان يسهب في الاستماع للقراء المجيدين للتلاوة، فيضع محمد رفعت ومصطفى إسماعيل على رأس تاج التلاوة، ويزن البقية من القراء بميزان القارئين الصعب العسير، دلف يريد أن يقنعه بالأمر، وطفق الآخر يصيح في استحسان وهو يستمع للثاني (مصطفى إسماعيل) :
- لقد أتيت مزماراً من مزامير آلِ داوود..
وكان يوسف قد دلف أولاً فلم يبدِ الشيخ المشغول بالتلاوة اعتراضاً، على حين جعل يصيح بعفاف والمرأة تقف لدى عتبة حجرته يقول :
- لا تدلفي إلى الداخل..
وانتظر حتى يغلق الراديو ومعه التلاوة وهنالك أذن لها بالدخول، وسألته في غضب لم تشأ أن تفصح عنه كاملاً :
- إلهي ! ألا تزال تزدريني؟
وقال والمرأة تجلس رفقة يوسف أمامه :
- بل أزدري سوء عملكِ ! كنت أخال أن مالاً يهبط إليك سيكون سبباً في اعتزالك فإذا هو سبب لأن تشتري مقهى المجون.
وقالت منتفضة :
- إنه مقهى للفنون..
- الفن في النغم يكون في القراءة والتلاوة.
- أعذرني ! إنه مفهوم جد قاصر.
- لقد حفتني التلاوة برعاية إلهية من مكر جعفر غير مرة.
- بل حفظك يوسف يوم كشف مكيدة جعفر وتسنيم،.. وإني زوج له!
وأحس يوسف أن الاجتماع العائلي سينحرف عن الغرض الذي أقيم من أجله، تدخل قائلاً في مباشرة :
- إني أروم أن أزور ضريح أمي.
وقبل بهاء الدين على مضض خصوصاً حين علم بأن عفاف ستصحب مراداً، ولم يجد مندوحة من اصطحاب الاثنين، وغمغم :"راقصة ستدخل قبر فاطمة، لتدعو لها.. أي خبل هذا؟"، ثم نظر إلى نجله فأزاد يقول هامساً :"حقاً.. طاعة النساء ندامة !"، وقصدا إلى "مقبرة المسلمين" في أبي تيج، كان بهاء الدين أعرف الثلاثة بآداب الطقس الحزين، وقال وهما يتمشيان في طريق القبور حاملاً أصيص فل :
- السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء الله بكم للاحقون..
والتفت الأب إلى عفاف وقد راعاه أنها تلبس حذاءً جلدياً من ماركة Bruno Magli الإيطالية الفاخرة، وقال :
- ترتدين حذاءً أشبه بالنعال السبتية (نعال أشراف القوم، من جلد البقر، التي نزع الدباغ شعرها) التي نهي الدين زائري القبور عنها.. فلتمشيا بحذر كيلا تزعجا الراقدين..
واضطرت عفاف تحت وطأة الضرورة أن تخلع الحذاءين وتمسك بهما فيما تتجول بين قبور الموتى، وهمست في أذن يوسف :
- إن أباك رجل مخبول.. هل يعرف حقاً أين قبر زوجه؟
- إن هذه النعال لباس أهل الترف والتنعيم، وزائر القبور ينبغي أن يكون على زي التواضع ولباس أهل الخشوع، (ثم وهو يقف بغتة.. فينخرط في نحيب كالأطفال..) هنا ودعت أمكم فاطمة وداع الختام، (وأمسك بقضبة من رمال يقول منفعلاً..) فليطيب الله هاذيك الثرى !
ونهض بغتة من حالته المتأثرة بعد أن ترك أصيص الفل يقول قولاً يرتفع وقعه تدريجياً في الآذان، كأنما جاءه هاتف شديد استجاب له، وكان من رباعيات الخيام :
- "فكم توالى الليل بعد النهار.. وطال بالأنجم هذا المدار
فامشِ الهوينا إن هذا الثرى.. من أعين ساحرات الاحورار
لا توحش النفس بخوف الظنون.. واغنم من الحاضر أمن اليقين
فقد تساوى في الثرى راحل غداً.. وماضٍ من ألوف السنين
أطفئ لظى القلب بشهد الرضاب.. فإنما الأيام مثل السحاب !".
اضغط على رابط الصفحة الرئيسة لمزيد من الموضوعات : روايات قصص
- سمعت أم كلثوم تغنيها قبل أعوام ولكنني لم استشعر الأبيات استشعار الساعة !.. ما أبوك بمخبول !
ومضيا في سبيل الرجوع صامتين مطرقين حتى بلغا باباً حديدياً، وأما حين انتهت القبور وغابت عن الأمداء أعادت عفاف لبس الحذاءين، قانعة بعض قناعة هذه المرة بوجاهة الأمر، كانت غيبة بهاء الدين عن قلب الريف مدة المغيب قد أحدثت فراغاً تناقلت فيه الألسنة أمره بين سؤال واهتمام، وأما حين عاد فقد أقبل الريفيون يحيون العائد أمام المصاطب، وحتى لقد وقف منهم واحد قرب كومة قش ملوحاً بكلتا يديه، وسرعان ما شملت التحية يوسف وعفاف كما تنتقل تركة البشر المادية أو المعنوية من طريق ميراث أو حسن سيرة،.. وقد بدا أن الرجل نجح في تكوين أواصر قوية مع القرويين هناك، لسخائه وكرمه اللذين يقتربان في أحوال إلى بذخ عُرف به،.. والتفت إلى يوسف يقول :
- هؤلاء يمنعونني عن العودة، إنني إذا عدت إلى الإسكندرية فقدت مودتهم في رمية واحدة !
وقال يوسف يشير إلى أيام شغل فيها الأب منصب النائب في مجلس الأمة :
- لقد نجحت في تكوين هذه الأواصر بالإسكندرية أيضاً !
- لن تنجح في إقناعي قط.. فليكن قبري إلى جوار أمك.
وسار ثلاثتهم حتى بلغا بيت جعفر فأبصروا أمام البيت نسوة يتوشحن بالسواد كأنما هن في اجتماهن غريبات ككواكب قاحلة هائمة في فضاء بغير أفلاك، وطلب بهاء الدين من عفاف أن تسأل عن السبب نظراً لتوتر علاقة الرجلين بصاحب البيت، وتربص الطرفين ببعضهما، وعادت عفاف بعد أن سألت منهن امرأة وكانتا آية التناقض بين التزين والقتامة - عادت تقول مأخذوة اللب :
- لقد انتحر جعفر، يقولون بأنه ترك رسالة - بعد أن ربط عنقه في حبل دق له مسماراً - يقول فيها (الرسالة) إن أحداً لم يضطره إلى هذا !
وفزع الرجلين - بعد المرأة - كل فزع للخبر المقبض، غير أن هذا الفزع سرعان ما استحال إلى طمأنينة شاملة لانتهاء خطر الرجل، كالقشرة الرقيقة التي تزول، وانبسطت أسارير بهاء الدين، قال ليوسف :
- اليوم يحق لكَ أن تعود إلى الإسكندرية بغير وجل !
ولبى يوسف طلب أبيه وإن ظل هاجس ما يؤرقه، كانت إقامته في أسيوط بعد زيارة أبيه وقبر أمه قد شملته برضاء أنساه - ولو إلى حين - غربته في المدينة الإشتراكية الجديدة، كانت عفاف تقول له :
- لابد أنك سعيد بالعودة، كنت تصارع حرارة النهار وتعاني من برودة الليل،.. وقد ضقت ذرعاً بالطعام المطهو بالسمن الزائد، طعام تسنيم، مثلما لم يرق لك الخبز الشمسي القاسي، أبصرتك بالأمس تلمس أي جزء بارد في الجدران أو البلاط، وأخفيت عنك ضحكة سرعان ما استحالت إلى شفقة كشفقة الأمومة !
وقال وهو يأخذ يتنهد فيما يستشرف مشهد الخضرة العابرة من نافذة القطار السريع :
- أشعر أنني انتقلت من غربة إلى غربة ! (ثم وهو يلتفت إلى حسين المحمول على ذراعيها تهدهده فتعالج صراخه الناجم عن حركة القطار المباغتة..) أخشى على أبي أيضاً !
وقالت :
- جعفر انتحر على مشنقة صنعها وكتب بها نهايته الفاجعة، وتسنيم باتت كالدمية الطيعة منذ تعلمت الدرس، المشكل مشكل أبيك الذي يستعجل رحيله كي يجاور فاطمة في عالم آخر !
وقال :
- الأمر ليس على ما تصفين.. ما أعجب نهاية جعفر ! إنني لا أصدق أن رجلاً على هذا القدر من المكر وسوء الطوية سينهي حياته بهذه السهولة، لا جرم أن في الأمر شيئاً.
ومضت ساع من التنقل، كان حسين وزهير نائمين أكثر الوقت وقد شق عليهما السفر الطويل، وأسلم الإنهاك - بعد مدة من نوم الطفلين - عفاف لنوم مماثل فيما ظل عقل يوسف نشطاً يفكر فيما مضى وفيما هو آت، كانت عفاف أمامه تغفو فيهبط رأسها ثم ما تلبث تأتيها هذه اليقظة العارضة لثوانٍ (بسبب السقوط نفسه)، فتنهض مستقيمة القناة والرأس حتى تأتيها سنة من النوم جديدة،.. وهكذا دواليك، وبدت مساحات شاسعة من الماء فوعى الشاب حقيقة أنها الملاحات، وأنه قد نزل في الإسكندرية مجدداً، ولم يجد هذا البشر القديم الذي كان يقرن في وعيه بين ظهور الملاحات وبين السرور لانطفاء تعلقه بالمدينة وشغفه بحياتها، وعاد إلى أمسيات المقهى فكانت عفاف تقول له بعد يوم إخفاق آخر :
- عليك أن تجد سبيلاً آخر للكوميديا،.. لم نعد في زمن الريحاني أو إسماعيل يس !
وقال آسفاً :
- إن هذا حق،.. نعيش واقعاً هزلياً لا يحتاج إلى ساخر أو معلق.
- لماذا لا تسخر من الولايات المتحدة أو الاستعمار؟
- خروشوف (رئيس الاتحاد السوفيتي) أولى بالسخرية من جون كينيدي (رئيس الولايات المتحدة)، لولا أن الأول حليف والثاني عدو.. أين هذا الاستعمار كي أسخر منه؟!
- ماذا عن البرجوزايين؟
- أنسخر من أنفسنا؟
-...
وأقامت عفاف سهرة في المقهى المملوك لها غنت فيها جزءً من أغنية برتغالية رومانسية شهيرة آنئذٍ اسمها كرنفال الصباح Manhã de Carnaval، ولاقت المرأة مصيراً شبيهاً بمصير يوسف من جهة العزوف وعدم التجاوب، وقالت له في خيبة وبدا أنها افتقدت ما تشتمل عليه مثل هذه السهرات من الثناء والتقريظ :
- سنهاجر إلى باريس، ليست جنة الاشتراكية الموعودة إلا جحيماً خالصاً، لقد قتل الخوف التذوق وأورث النفوس قلة الحياء، من هذا الحس الراقي إلى صنف من الغوغائية المقيتة، إلهي ! ماذا حدث؟ سمعت جالساً في الصف الأول ينعتني بما لا أحب أن أكرره،.. كدت أشتبك معه، لقد صرخ آخر : وأين المقسوم؟ الحق أن الجميع كان ينتظر إيقاعاً راقصاً كيما يصفق ويهلل، ثم يرقص ويتبختر،.. رأيت هذا في وجوههم وأعناقهم المشرئبة..، لقد عدمت الأغنية العالمية من أية آلة إيقاعية واضحة،.. لم يكن هذا كرنفال صباح أبداً،.. سينشأ زهير وحسين في مجتمع فرنسا الحر، وسيشبان في كنف المدنية الغربية، في بلاد تموج بالهوى والفُتون، إن لزهير حساً فنياً أستطيع أن أراه، كان يغمس أصابعه في الألوان ويمضي الأوقات في خلق الرسوم الغريبة كاللوحات التجريدية، سنغلق المقهى وسأمنح للعالمة فريدة دون غيرها مفتاحه، لعلنا نزور الإسكندرية مرة في كل عام، مثلما يفعل جيراننا الإيطاليين،.. حتى يئن يوم العودة، أعرف أننا سنعود يوماً !
وقال يوسف في بشر لا يجتهد في إخفائه، وكأن المرأة تحدثه بما يود أن يقوله :