عبير الحرية
ذلك اليوم خرج يوسف من محبسه فكأنما استنشق عبير الحرية بعد أشهر، وانفلتت نفسه حين وطأت قدماه أسفلت الطريق انفلاتاً تسنم معه مكانة الأحرار، فاستوعبت حدقتاه الزرقاوان بزوغ الشمس في غير اعتياد كالمبصر بعد جراحة، وعجب للأمداء المفتوحة، وعاد يتذوق المعاني، ويستلهم الآمال، غير أنه وفي غمرة ما حل بنفسه من آي التغير - تنبه إلى غياب زوجه عفاف عن مشهد استقباله، فكأنما ارتد عجولاً إلى صنف من العقلانية التي تزن السرور والفرح بميزان معتدل كميزان "الرواقية"، لقد أكد لها على الميعاد غير مرة ولابد أن مهماً منعها من الحضور.. واختلف إلى مقهى عبد الكريم فألفى جل كراسيه فارغة.. وقال صاحبه حين رآه :
- تعود إلى هنا كأنك البريء، لقد بحثت عنك طويلاً،.. ولقد فرضت على المقهى الضرائب انتقاماً من صاحبه، وفقدنا من أصوله كثيراً بسبب مزحتك السخيفة التي جاءت ضغثاً على إبالة (بلية على أخرى) في استنزاف مواردنا !
- إني أروم استئناف العمل !
- تحتاج أن تعمل لأشهر بلا أجر أولاً !
- إن هذا إجحاف وعسف، نترقب عهداً جديداً بعد رحيل الأسرة العلوية عن البلاد.
- ومن ذا يعوضني عن خسائر العهد الفائت؟
وولاه يوسف ظهره فنهض صاحب المقهى يعدو وراءه، وإنهما - كذلك - حتى غاب خيال المطارد عن الشاب المناور، وقصد إلى بيته فألفى ميسرة يقول له بعد أن اضطرب لرؤيته المباغتة فيما يشبه الهلع :
- إن سيدتي ستضع حملها !
وفزع إلى الداخل فألفى العوالم يتسابقن في خدمتها على حين جعلت المرأة تصرخ، كان صراخاً عميقاً ومتصلاً، وسمعت المرأة في محنتها وقع أقدامه فأمكنها أن تميزه، واعتدلت بعض اعتدال، وأمسك بعلها بيدها في صمت فاستقبلت مجيئه بحركة جفنها الواهن، وجيء بالداية عزيزة التي انفردت بالمرأة المسجاة مدة، فقالت بعد خروجها من الحجرة في صوت موسوم بالعجز والخوف :
- إنها تحتاج إلى الولادة القيصرية التي تطلب الطبيب المختص،.. ولا طاقة لي بالأمر !
ووقف يوسف من فوره ملتاع الخاطر يتأهب لإحضار طبيب وألقى على عفاف نظرة وداع قبيل انصرافه، على حين دق الباب ففتحه ميسرة، وجاءه (ميسرة) بعد برهة يقول وكان يوسف يكاد يأخذ يستدير عن عتبة الباب إلى مرامه :
- إن الطارق يقول بأنه صاحب المقهى الذي كنت تعمل فيه !
وإن هي إلا برهة حتى دلف الرجل إلى الداخل - كالمقتحم - يقول :
- أرني مقابلاً لما وقع لي من الخسارة بسببك،.. الآن وهنا !
وقال يوسف وهو يسعى لاجتياز الرجل إلى الخارج بينما يمنعه الآخر :
- دعني أجيء لزوجي بطبيب !
- أي خدعة جديدة هذه؟ لو أنك كبينوكيو لكان أنفك يكبر وقلت : "إن أنفي يكبر الآن !".
ووقف ميسرة يعضد صاحبه (يوسف) يقول للرجل :
- إنه صادق ولا يكذب.. ولتذهب إلى حجرتها كيما تراها.
وأجابهما الرجل وهو يغلق باب الخروج بجسده الملآن :
- ماذا فعلت في دنياي كي يجمعني قدري بأفاقين محتالين في يوم واحد؟ إنني إذا ذهبت إلى حجرة تزعمان أن فيها ما فيها أمكن لصاحبنا المهرج أن يهرب !
وبكى يوسف بينما تضرب يداه صدر محدثه فتنكمش عيناه، وكان العوالم يرقبن المشهد المؤثر يتألمن له بغير فعل، قال (يوسف) :
- وسوف تموت عفاف وجنين في بطنها إذا أنا تأخرت عنها !
ورق قلب الرجل فتركه يمضي،.. وجيء بالطبيب المختص فتوارت الداية عزيزة في محضره، وخلت الحجرة من الآدميين إلا عفاف والطبيب، وساد الجزع بين العوالم، وهبت نفحات الخوف تصيب يوسف وميسرة، وبين الجزع والخوف تحينت الأنفس هاتفاً رحيماً كزهرة تنبت في القفار، ونجحت الولادة المتعذرة فأتت بتوأم فكأنما اقترن خروج يوسف من محبسه بخروج ابنين له إلى الوجود، كان يوسف يفكر في الحقيقة البيولوجية التي تجعل إناث البشر يملكون قنوات ولادة صغيرة قياساً إلى حجم الرأس الكبير للمواليد بالمقارنة مع معظم الرئيسيات، وكأن العقل البشري بتكوينه المعقد الكبير غريب عن هذا الوجود، ومنذ أول لحظة يتكشف فيها عسر انزلاقه إلى عالمه.. ونجا واحد على حين مات قرينه، وكانت صرخة استشعار الألم الدالة على حياة الطفل الناجي قد انطلقت مع ضربة الطبيب المعتادة.. وأشارت كبرى العوالم واسمها فريدة إلى مشيمة الطفل فقالت في جدية :
- وسوف أدفنها في باطن الأرض أو لعلي أرمي بها في الماء،.. ولتأتوا برجل صالح فضعوا سرة المولود أمامه كيما ينهل من طباعه !
وبدا حديثها دجلاً يستجدي الخرافة، وإن شمل الجلسة وما صاحبها من اضطراب وترهب - شملها استعداد لتقبل قولها الغيبي الغريب، وكانت عفاف لما استردت بعض عافيتها تحمل وليدها بجانبها مع ثني المرفق تقول بينما تبرق عيناها :
- إن جفنيه مغلقين أكثر الوقت..
وأورثت تجربة الولادة المتعذرة المرأة فزعاً - كالفوبيا المرضية - تجاه المسألة، انتابها اكتئاب ما بعد الولادة القيصرية لأسبوعين وإن ما عتم أن انشرح في أيام أخر رويداً رويداً، وعزمت على أن تكتفي بالطفل الواحد خلافاً لما أراده يوسف، كانت العالمة فريدة تقول بأن ولادة العوالم تكون صعبة شاقة، وقد قنعت عفاف بقولها قناعة استلهمتها من تجربتها ومن مثابة العالمة في نفسها دون تحقيق كقناعة المتوهم بيقين زائف، وكان يوسف يقول لها :
- يحتاج زهير (اسم الوليد) لأخ يؤنس وحشته !
وكانت عفاف تقول :
- بربك.. وهل لدينا ما يكفي لإطعام الطفل الأول؟ إنك حين تقول ما تقول تغامر بحياتي كرة أخرى، لقد كنت في المرة الفائتة أقف على حافة الموت أترصد النهاية بقلب مستكين، وبغتة، رأيتني أستعيد الوعي وأرى زهيراً، كانبلاج الضوء من صفحة العدم،.. وهل تسلم الجرة في كل مرة؟
اضغط على رابط الصفحة الرئيسة لمزيد من الموضوعات : روايات قصص
- سأطلب من أبي مساعدتي..
- يحتاج أبوك إلى من يساعده في أسيوط، إنه يمتلك بضع قراريط وقد ودّع الحياة كراهب معتزل !
وقال وهو يتذكر رسائل الأب التي كان قد دأب على مراسلته بها بعد رحيله عن الإسكندرية :
- ليس بعد الإصلاح الزراعي الذي شمله بمعاملة صغار الفلاحين !
وبعث يوسف إلى أبيه برسالة يقول فيها :"إنه لمن المطمئن والمبهج دائماً أن يجد الابن في أبيه ركناً ظليلاً وملاذاً أخيراً يلتجأ إليه أوقات الاحتياج،.. وقد يجللني أن أثقل عليك وأنت من اصطفى لنفسه العزلة، وأراد لحياته الهدوء والاستقرار وغيرهما من أمور يكون لها في ميزان المرء حين يتقدم به عمره موقع الأولوية،.. ولكنني مدرك أنك في بيئة الجنوب لم تفقد اتصالك - بعد - إلى حوائج أبنائك، ولعلي أزيد أقول بأن حفيداً لك قد ولد بعد مخاض متعذر اسمه زهير، لقد بدا زهير - لولا عيناه الخجولتان - شبيهاً بأبيه (يريد نفسه) وقد صرت بدوري شيئاً فشيئاً شبيهاً بك، وإن هي إلا حلقات متتابعات في دنيا عابرة..
ولعلي أطمع بعد معرفتي منك بما صدر من القوانين الجديدة في أعقاب حركة يوليو، بنحو خمسة وأربعين يوماً إن لم تخني ذاكرتي، والتي بموجبها جرى تحديد الملكية الفردية بحد أقصى مائتي فدان للفرد الواحد، رافعة شعاراً اجتماعياً استقبلناه بالابتهاج : الأرض للفلاح،.. لعلي أتساءل عما إذا نالك منها نصيب تستطيع أن تقيم عليه المساعدة المالية ترسل بها إليَّ، أو أن تؤسس عليها ما بوسعه أن يحل أزمتي مع صاحب مقهى عبد الكريم، هذا الذي يلح عليَّ في غير تُؤَدة، ويحمّلني ما لا طاقة لي به من أوزار خسائر حاقت به، وقد خلنا أن حكماً مصرياً سيبدل طبائع مستقرة، فيرد الجشع أو الجور إلى إخاء وود، ولكنها (الطبائع) أبقى من عروش الحكام ومن تقلبات الأيام، وآية ذلك أن الرجل (صاحب المقهى) بات يهددنني ويترصدني حين عكفت مصرّاً عن جواب طلبه المجحف فما كان إلا أن بادلته تهديداً بتهديد، وأطلقت الخصومة بيننا الألسنة بالوعيد !
إن تغيراً في المزاج الشعبي قد طرأ فأصاب السخرية السياسية وما يخصها من أحوال في مقتل، فقد رأى المصريون - سوادهم الأكبر على الأقل - في حركة يوليو ما جعلهم لا يستسيغون مزاحاً يتعرض لها بعد أن بدأت في الانتصار لهم اجتماعياً، بل لعلهم ينسبون الفكاهة حين أشرع في ترديدها على مسمع منهم بعد قوانين شملتهم - أو شملت أمثالهم - بالإصلاح الزراعي والاجتماعي إلى ثقل الظل، إن شيئاً كامناً في السخرية ينبع من البؤس، وأما حين تعدم أسباب هذا الأخير فإن تهكماً لا يكون له موضع، فلا تعود تستمرأه القرائح ولا الأذواق، لأن الحقيقة السعيدة تكون أولى وأطغى،.. وقد يتغير هذا الحال بعد فترة تطول أو تقصر حين تعود تبرز أسباب قاتمة تعسة، هذه التي، وللعجب، المجال الخصب يرتع فيه أصحاب الابتسامات، إن الإضحاك في بعض صوره صنف من المثالية الساذجة البريئة على صفحة حقيقة مرة..".
وكان بهاء الدين يقرأ رسالة ابنه قاعداً على كرسي شبيه بكرسي الحدائق في أرض تجتاح هبات الهواء أغصان أشجارها، وتعترشها الأزهار، وكان يجتهد في فك طلاسم خط الابن خصوصاً بعد أن ضعف بصره، فلما فرغ منها طواها في جيبه وعاد يستشرف أفق الطبيعة كأنما لم يطلع على مهم، ورفع يديه محيياً أبناء جلدته من ذرية عائلة المنشاوي الذين كانوا يضربون بالفؤوس على الأرض نيابة عن صحته المعتلة،.. وكانت فاطمة - التي قرأت رسالة وليدها من قبله - تقول له دهشة :
- ويحك ! إنه ابنك الأصغر يطلب منك المساعدة، كان خليقاً بالرسالة أن تأخذ بمجامع قلبك !
وقال وهو يمسك بظهر كرسيه بينما يميل ظهره للوراء، وكان يزعجه صوت الشادوف ويتطير منه فانتظر حتى انتهى :
- إنها فرصتي لأرى كيف عساه أن يتصرف وحيداً بعد رحيلي، أريد أن أراه وقد شب عن الطوق.
وجعل يوسف ينتظر جواب أبيه الذي تأخر طويلاً حتى استحكمت عليه الحلقات، وقال لعفاف :
- إلهي.. لابد أن رسالتي لم تصله !
قالت عفاف وهي تهدهد زهيراً :
- لقد تخلى عنك بهاء الدين،.. إنه يختبر صبرنا وها قد نفذ !
- فلتكفي لسانك عنه، سيجيب أبي اليوم أو غداً !
- من العار أن تعلق مصير زهير بجواب من لا يجيب !
وحل الإشفاق على زهير في نفس المرأة حتى أورثها جزعاً، وكان هاتف الأمومة يحركها لاغياً دواعي الرزانة والمنطق، وجعلت تسعيد رغبتها في إحياء ليالي الطرب والغناء والرقص، وقالت تلبي داعي الغضب :
- كان الميزان يقضي بنبذ الرقص في مقابل المساعدة المالية، وقد نكص أبوك عن الوفاء بطرفه الثاني !
ومزق يوسف فستاناً جُعل لسهرات الليل فأحاله مدفوعاً بانفعال إلى شطرين يقول :
- وماذا عني؟ وعن زهير؟
وهنالك بكى الطفل فاتحاً عينيه - وكان لا يفتحهما إلا لماماً - فانتاب المتنازعان سكينة، وجلسا على حافة السرير، وقالت عفاف :
- لاجرم أنه فخ من فخاخ أبيك، لم يعترف بهاء الدين يوماً بي ولا بمهنتي،.. ولماذا لا تبحث عن عمل ؟!
كان وجه المرأة قد تجمد على حال المثل العربي : "أطلق يديك تنفعاك يا رجل.."، ثم انتقل بها الحال إلى صمت عميم، ونهض يوسف متطلعاً إلى صورته في المرآة، واستشرف سماء أغامت بينما حل الصمت لأول مرة، وعاد يقول لها في تسليم كالمتنهد :
- إنني دون المطلوب في كل شيء، حري بأن ينظر إلى الحضارة على أنها العمل الصعب الشاق، غير أنه ومن حسن التقدير أن كل عمل مفيد لا يكون عظيماً بالضرورة، ولهذا وجد الفن والإضحاك والملاهي والأسمار، ولولا هذه الأربعة لكنت كهذه (يشير إلى رابطة العنق/الكرافت..) عديم المنفعة !
وقالت :
- إني لا أرى إلا رجلاً متكاسلاً، لا تعوزه القوة ولا الصحة، لقد جُعلت الحركة الجديدة لمن هم في مثل حالتنا، وغداً تنبت الطبقة المتوسطة.
وراعاه حديثها فبهط إلى الشوارع يطوف ويجول، وعاد مع بزوغ وجه الفجر يقول :