ما تغيره الأيام
كانت هدى وعبد الغني صحبة مراد - الذي اضطر تحت وطأة إلحاح إلى مصاحبة رب عمله - في انتظار أميرة حين خروجها من الروضة، وهرعت الطفلة من الباب وسط تيار المندفعين فاجتازتهم، كالسهم يظهر من شجون الأشجار، وكانت أجمل الأطفال صورة على نحو يوحي بتفوق جمالي مستقبلي،.. وأبصرت ثلاثتهم فهرعت إليهم، وهنالك توقعت هدى أن تأتيها فجثت الأم على ركبتيها أو كادت، غير أن الطفلة واصلت إلى حيث يقف مراد متابعاً، ثم التفتت إلى أبويها حين بلغت موقعه تقول :
- لقد أطلعني مراد على أمور جمة في صبيحة اليوم بينما كنا نجتاز مساراً عامراً بالدبابات !
وكان يروق لها أن الشاب يعاملها في غير استصغار، وأورث المشهد مراداً خجلاً فأحمرت وجنتاه وأذنيه يقول :
- إنها طفلة شغوفة،.. من الخير أنها ستنبت في محيط أبوين فاضلين..
وعادت الطفلة إلى أحضان الأم فانطفأت دواعي الحرج، وكان الأب يقول بينما تمر فرقة من أطفال الروضة المنشدين للنشيد الجديد "نشيد الحرية" :
- لا أزال أذكر كيف وقفتْ إزاء العلم المصري الأخضر ذي الهلال والثلاث نجمات، في روضة الأمس، أحيي الملك فؤاداً الأول.. من عجب كيف تنقلب الأمور، وكيف تمر السنون!
وسمع طفلاً من المنشدين يقول من نشيد الحرية :"فتكلم.. وتألم.. وتعلم كيف تكره.." فهاله ما اشتمل عليه النشيد الجديد من المعاني، غير أنه عاد مدفوعاً بتفاؤل مبعثه رؤية ابنته - عاد لا يلقِ للأمر بالاً،.. وكان مراد يقول متحمساً :
- سيتغير كل شيء قريباً، العَلم، النشيد، حقائق الثروة، وغير هذا وغيره..
منذاك اليوم وبعده دأب مراد على توصيل أميرة إلى الروضة، وعلى انتظارها، تأتيه الطفلة الصهباء بعين اللهفة، بازغة كالشهاب الساقط من السماء، وسط الطلاب، في كل مرة،.. كان عهد إقامته في بدروم العمارة المتهالكة قد انقضى، واتخذ من شقة صغيرة ذات حجرتين سكنى له، وودع الشاب أياماً كان يلتقط فيها الباقي من الخضروات والفواكه على أديم الأرض في حالك الليالي بسوق باب عمر باشا، أول تردده على المدينة غريباً، فألبسه تفوقه في التجارة ورضا عبد الغني عنه ثوب الكفاية يقف عند أول عتباتها فلا يجتازها إلى ما بعدها من مراحل الرغد أو ضمان الأمان.. يحفظ جزء "عم"، ويتلو سورة "الفتح" في صبائح أيام أشغاله قنوعاً بالارتباط الوثيق يدعمه الحس الديني الشعبي بين الاسكتثار من التدين والزيادة في الرزق، ويوماً وحين دلف إلى حانوته ألفى عبد الغني صحبة عبد المتعال وابنته حسنية، وكشفت الأخيرة الجلاية (البيشة) عن وجهها - حين محضر الشاب لدى عتبة الحانوت - كأنها غير العامدة، فبرز وجهها مبتسماً ولكن مراداً ما لبث أن استدار عنها، ونهض عبد الغني من مجلسه مع عبد المتعال يقول للرجل الذي وراءه :
- لقد حلت البركة بمحضرك، ولو كان بوسعنا لفرشنا لك وللأستاذة حسنية الورود والريحاين !
وتدانى إلى مراد الذي كان يطل على حركة الشارع المشمول بهدوء مولياً للقعود ظهره، كأنما يستنكف عن أن يشاركهم في لغوهم الذي ارتآه أكثر شيء شبهاً بالهراء، فهمس في أذنه يقول :
- ويحك ! لماذا لا تجلس معنا؟! لقد جاءت حسنية خصيصاً لتراك !
وقال في بداهة وصوت عالٍ نسبياً :
- ولكنني لم آت لأراها !
وقال عبد الغني وهو يتقدم بمحدثه خطوتين، وقد هاله أن يرتفع الصوت فيسمعه الجالسين :
- إن عبد المتعال يجلس فوق بئر لا تنتهي من الثروة، وإذا أنت تزوجت بابنته انتقلت إلى دنياه !
وقال وهو يلتفت إلى صورة حسنية :
- إنني قنوع بحياتي.. ليست حسنية إلا اسماً ليس لها منه أقل نصيب !
وقال عبد الغني مرتبكاً وهو يلتفت التفاتة أخرى إلى الفتاة الجالسة كأنما أراد لها تنزيهاً لها عن وصف الشاب :
- إنها أشبه ببنات بحري،.. أم حميدة أو ما شاكل !
وكان مراد على عهد ما ولى من أيام الصعلكة يجول حي بحري المعروف بمناطق الصيد الفقيرة، والحانات، والبحارة المسلمين، والصيادين المتراصين لبيع الأسماك، والنساء من الطبقات الدنيا،.. قال وهو يستعيد صورة الآخرات :
- لم ترث منهن إلا اللون البرونزي،.. أين الملامح المصرية من الخدود البارزة والجفون الدائرية والشفاه الغليظة؟ وأين الحضور الطاغي؟! حتى العيون المشرقة الجذابة تبدو إلى هاتين الحبتين عبثاً، تحتاج إلى مائة محمود سعيد يرسمها كي تنطق.
- يالتعالي والصلف ! إني آمرك أن تجلس ! لقد عدمت حياتك من مرب وقد أورثك هذا انفلاتاً وتمرداً.
وقال مراد في لطف وهو يأخذ يجلس :
- أنت بمثابة أب لي،.. ولا تغضب مني !
وجلس مكرهاً على حين نشط عبد الغني إلى إشعال البخور ووضعه في الزوايا، مردداً بين حين وحين وهو يبتسم :"يا مرحب.."، وسأل عبد المتعال مراداً :
- وماذا يعوز العريس كي يتزوج؟
وأجابه مراد في استهانة :
- كل شيء، المال، المكانة، النسب، الرغبة..
اضغط على رابط الصفحة الرئيسة لمزيد من الموضوعات : روايات قصص
- النبي محمد (وهنا همس ثلاثتهم بالصلاة عليه همساً اختلط بصوت المتحدث..) يقول : «إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه.. ».، ليس المال أو المكانة إلا حواش ثانوية أمام هاتين الحقيقتين : الدين والخلق ! إنني أعرف بمراد من أي غريب عنه، إنه يعطف على المستعضف مهما كانت صورته ولو كان حصاناً ينوء بحمل قطع من الأثاث، يجرها، ويمتاز - إلى هذا - بمخايل الفطنة والحياء إلى حد ساحر معجب.
وقال مراد في شغب يدعي البراءة كالقطط :
- أجل،.. ولكنني، ومن أسف، دفعت زبوناً يوماً حتى أسلمته للأرض، ولا أنزه نفسي فكل بني آدم خطاء، فعلها نبي الله موسى عليه السلام حين قتل الرجل القبطي، والحِدَّةُ تَعْتَرِي خيارَ أُمَّتي كما ورد عن النبي محمد، إني نادم على هذا كل الندم، وخير الخطائين التوابون..
وبدا أن مراداً ينتهج نهجاً يُنفِّر معه محدثه منه من طريق إيراد مثل هذه الوقائع، غير أن نفسي عبد المتعال وابنته حسنية كانتا من الرحابة حد أنهما لم تتأثرا بما أورده الشاب من منفرات، وانضوت محاولاته العابثة في إفشال الزيجة تحت لواء إرادة عبد الغني في إتمام الأمر، وقُرئت الفاتحة همساً فيما علت أدخنة البخور، وبدت حسنية أجمل حين انتهت الجلسة كأنما ألبستها الطبيعة ثوب الاختيار،.. وألحقت رغبة عبد المتعال في التعجيل بالأمر الخِطبة بمراسم الزيجة التي بدأت من مسجد القائد إبراهيم، كان المسجد ذو المعمار الإيطالي مهيباً هائلاً، حديثاً مع هذا،.. وقد احتوى الضيوف الذين كانوا - في معظمهم - ينتمون إلى نسب حسنية (نظراً لتيتم مراد)، وفي صبيحة يوم الزفاف استقبل عبد الغني ومعه أميرة مراداً - كان الشاب رافلاً في بذلة لأول مرة في حياته، من ماركة "شانيل" الفرنسية التي ألح عبد المتعال عليه أن يلبسها - استقبله عبد الغني يقول :
- تبدو بذلة رائقة !
وقال وهو ينظر إلى نفسه في مرآة الحانوت :
- إنها ثمرة الزواج، كنت محقاً بشأن دفعي إلى الأمر.. (ثم وهو يهبط بناظريه..) ولماذا لم تذهب أميرة إلى الروضة؟
- إنها تأبى الذهاب إلى هناك في غير صحبتك !
وهبط مراد إلى أن بلغ مستواها يقول في إشفاق :
- أيتها المشاغبة ! سوف نذهب معاً !
كانت أميرة تسأله في طريق ذهابها عن السبب وراء عدم حضوره الباكر - كدأبه في الأيام الأخر، وأجابها :
- لقد تزوجت، لن أكون متاحاً مثلما كان الماضي.
وقالت في أسف، وقد انتقل غضبها من غيابه إلى نقمتها على الزواج، وكان النمش الخفيف يعلو وجهها :
- ولماذا يتزوج الناس إذن؟
وقال وهو يتفادى معها حجراً في الطريق :
- لأنهم يجدون الحب ويريدون له صيغة رسمية يتحملون معها عواقبه.
- وهل وجدت الحب في زواجك؟
وهنالك صعق مراد لسؤالها الطفولي فوقف عن مسيره بغتة وارتد طرفه مجللاً، حتى باتت الطفلة تقول :
- إني آسفة إذا كان في سؤالي ما يحملك على الاضطراب !
وواصل مسيره يقول :
- أحياناً يجبر الناس على مخالفة المستقيم من القواعد إذا خرجت حياتهم عن المألوف من الظروف،.. ستحبين حسنية حين ترينها !
وأوصلها إلى حيث روضة الأطفال ثم قصد وحيداً إلى الكورنيش، كورنيش بحري، كان يرى في الحي عهد مراهقته البائس، زمان الوجد والفقدان يساورانه في المدينة الرخامية الزرقاء، وأحس أمواجه هائجة كأنما تضربه برذاذها، واليوم.. إلهي.. ماذا يضنيه؟! لقد قفز من البدروم إلى الثروة، ولو أنه ألغى تأثير الأقدار التي تبسمت له لعد نفسه عصامياً،.. إن حسنية تكبره ببضع سنوات ولكن ما آفة الأمر؟! ولو أنها لم تبرع في ميدان الجمال فما حيلتها إزاءه؟ وأما سخاء عبد المتعال وأغداقه عليه ففوق ما يتصور،.. وفي كل الشوراع زفرات الهواء البارد الرطب ترتطم بوجهه تارة في هوادة، وطوراً في عنف.. لأجل هذا اختار الإسكندر ومن قبل قرون زوايا السبل في المواجهة من البحر المتوسط، وتأمل الشمس وهي تغرق في المتوسط.. وغفا (مراد) على سور الكورنيش فساوره حلم ذهبي عانق فيه شيئاً لم يتذكره حين يقظ، وفتح عينيه على يد تحاول أن تخلع عنه معطف البذلة الثمينة، وهرب السارق حين أدرك تنبهه فزعاً، بينما جعل مراد يصيح عادياً وراءه :
- إلهي.. لقد أورثتكم الفاقة ميلاً إلى اللصوصية ! ماذا جرى للإسكندرية؟ كل شيء أكلته الرطوبة في المدينة المالحة ! (ثم وهو يتوقف عن العدو..) فلتعد إلى هنا..
وفطن إلى سرقة رابطة عنقه فجعل يردد :" الأوباش ! الملاعين !"، وتذكر كيف كان هنا - على عهد الماضي القريب - يقف في مزادات الصباح فيما بعد الفجر حيث يشتري المشترون - بعد طول سباق - أسماك الليل التي جرى اصطيادها على ظهر الأريب (التسمية السكندرية للفلوقة)، وكيف كان يجلله أن يسمع أثمانها التي كانت تفوق خياله، وتحيل إصراره إلى لون من الشعور باليأس وعوز الحيلة، كان ذاك مهد صباه ومدرج خطاه ومرتع طفولته،.. وقصد إلى حلقة الأنفوشي ومبناها العتيق الكائن إلى جوار قلعة قايتباي، وعلى كثب من قصر رأس التين، قصد إلى هناك ينتوي أن يرد لماضيه ديناً ما، وارتفعت الأصوات - كأنها ابنة الأمس - تتبارى فيما بينها في سباق الأرقام، وكان مزاداً أخيراً وافق الثامنة صباحاً، وقال المنادي بعد صمت أخير كأنها اللكمة الرقمية القاضية في نزال افتراضي :
- وعلى هذا يؤول لوح الجمبري (الروبيان) إلى الحاج طلبة ! ألا أونا.. ألا دوي.. ألا..