وددت أن أراك حقاً
الفصل الثالث والعشرون: وددت أن أراك حقاً
ودّعت تفيدة فيلا لوران أسيفة الشعور بعد أن قدمت للقطط آخر أطباق الحليب، وتركتها قرب السرير الخوصي الصغير وهي تسمع مواءها كأنما تدري (القطط) ما يدور فتستعطفها أن تبقي، كان خروج تفيدة من الفيلا البيضاء إيذاناً بتحول جذري في طبيعة المكان، استقبل عبد القدوس حياته الجديدة بحرية عربيدية طمس بها شرطاً من شروط التوبة النصوح : العزم على ألا يعود إلى المعصية مستقبلاً، وسرعان ما أحس الرجل ندماً على تفريطه في المرأة المخلصة التي بدا أنها انصرفت عنه دون رجعة، فيجعل يقول : "كان وجودها نعمة وانصرافها نقمة.."، ولكنه ما عاد يعي الندم حقاً في غمرة غفلته الجديدة التي كانت أشبه إلى ظلمات يتواتر بعضها فوق بعض،.. كل ذاك يمضي في أتون ملتهب، وذهب يرتقب فرصة الإجهاز السهل فينتظر حتى تتهاوى فريسته تهاوي الخور والحاجة.
وفي عين الأثناء كان منير يسأل نعيماً الذي كان يشير - في أحد جلساته التعليمية - إلى قلب خريطة العالم إلى موقع مصر، يقول :
- لماذا لا نزورها؟ الطقس هنا (أي في مانارولا) في الشتاء ولو أن به نزعة للاعتدال فهو بارد.
وقال نعيم يتذكر وفاة أبيه وما اقترن به من شتات حمله على الهجرة :
- لا أريد أن أزور الإسكندرية الآن، إن بها ذكريات مؤلمة لم يخفت وقعها في نفسي بعد.
وحضرت مريم تؤيد اقتراح منير من سبيل آخر :
- لماذا لا تكون الأُقصر مثلاً؟ سمعت أنها مشتى عالمي رائع.
وقبل نعيم باقتراحها لما كان مفتتناً دائماً بالتاريخ المصري القديم الذي تضم الأقصر (طيبة) معظم إرثه، وابتسم منير لما كان القبول يلبي أو يقرب غرضاً في نفسه كظيم، ركبت الأسرة إذاً الحنطور الذي اتخذ جسمه الخشبي من الزان والشجر والسنط، وجلسوا على مقاعده المنجدة يجولون المدينة الأثرية في سرور، وسرت آمال بمصابيحه الملونة التي تتقدم بضيائها السني البهيج حركته على الدوام باعثة الألق المسحور في شوارع مدينة الصولجان، وتفاعلت الصغيرة كذلك مع كركرة عربة الكارو وأرجل الخيل، وطرقعة قباقيب العجائز، على نحو طمأن مريم إلى سلامة حاسة السمع لديها وحسن استجابتها للمنبهات الصوتية،.. كان منير الذي أوعز إلى نعيم بالزيارة منهمكاً في التفكير في أمر هو دون الجميع، إن إرث ماضيه، جذوره المشتتة، وحقيقته المتنافرة تسحق إيما استمتاع باقٍ له، لقد قال له نعيم يوماً حين خرج من لوران باكياً : ستعود على أكف من طردوك، أوصاه طه بعين الوصية أو مثلها على فراش الموت، وكشف له عارف أن حياته ما كانت إلا محض خدعة، كأنما قضى أيامه في ملجأ ملون بهيج في مانارولا لدى أسرة خيرة طيبة، واليوم يفصله عن أبيه الحقيقي بضع مئات من الكيلو مترات بين الأقصر وبين الإسكندرية، وفكر في كل هذا بينما يعبر الحنطور طريقاً من النخل النضيد، حتى انتبهت مريم إلى استغراقه تسأله :
- هل ثمة أمر ما؟!
وابتسم مدارياً ما في نفسه ووهب الجميع نظرة سرور، حين أشرق صبح اليوم التالي فزعت الأسرة لغياب منير، فتشت مريم في كل الأسِرَّة، وغاب منير عن كل المضطاجع،.. توجه نعيم صوب عارف فجعل يسأله عن الغائب :
- هل تشاجرتما؟
- كلا..
- أشم أن لكَ يداً ضالعة في الأمر..
- لماذا ألام دائماً على سوء تصرفه؟
وطال المطال بذهب يرقب ذبول الثمرة، وخشى فيما يخشى أن يحمله مزيد من الإرجاء على ضياع الفرصة الذهبية، وقصد فيلته التي تبين أن بابها غير موصد وأن زينتها المحنطة قد اُنتهبت، دلف ذهب إلى الرجل القابع في البناء الأبيض بين الغواني والأماني، حتى هذا البساط المخملي الأخضر قد بهت لقلة العناية به وحدس لما رآه بأنها اللحظة المناسبة أو تكاد، دلف ذهب باباً آخر - كان يجيء منه صوت ضحكات مقهقهة - فألفى عبد القدوس بين امرأتين، ممسكاً في يده بكوب من عصير الليمون الفردوسي (الهندي أو الزنباع أو النفَّاش)، ووقف مدة قبل أن ينتبه صاحب المقام إلى محضره فنبهته التي على يمينه إلى الأمر، ورفع عبد القدوس ناظريه إلى من جاء، وهناك قال ذهب في نبرة تتوخى العطف والعناية :
- سيدي، إنك في ضيعة اللهو ولا جرم أنك تبحث عن يد أمينة ترعاك !
والتفت عبد القدوس إلى التي على شماله يقول :
- تريد أن تكون فتاتي؟
- لقد ضاع كل شيء وقد جئت كالضباع تتغذى على الجيف.
ونظر ذهب عن يمينه وشماله، يقول :
- لا يزال هذا المبنى.
- جئت طامعاً في الحجارة؟
وتقدم ذهب بضع خطى على البلاط الرخامي حتى صارت أنفاسه مما يخترق مجال محدثه :
- ماذا تفيدك المكابرة إلا إيغالاً في متاهات الضياع؟
- إني أفضل الضياع وحدي على نجاة تأتي لي بها.
وعاد عبد القدوس إلى استرخائه الماجن بغتة فارتد ظهره إلى قائم الأريكة المذهبة، فأشار إلى الفتاة التي على يمينه يقول :
- فلتجيئي للضيف بكوب من الليمون الهندي..
غير أن ذهباً قد صمم ملياً على أمر آخر يقول :
- بل سأشرب مما تشرب..
ارتاب عبد القدوس من اقتراح محدثه ولكن ريبته سرعان ما انقلبت إلى قهقهة فجة صارخة، ناوله الرجل الفاكه كوبه دون أن يعي مراد صاحبه الخئون، وقال شيئاً عن حقيقة أن إكرام الضيف منحه ما يريد، شرب ذهب رشفة من مِرْشَفُ العَصِيرِ إذاً، وزاد عبد القدوس في قهقهته وهو يرقب صاحبه تجاوبت لها الحسناوتان بابتسامتين، واستغل ذهب غفلة الذي أمامه فدس في الكوب مادة قاتلة، واحتوى "ليمون الجنة" الهندي على سم زعاف، ثم ولاه (ذهب) ظهره مكتفياً بما لحق به من إهانة وبما أصاب من شر التدبير، فجعل يهرول قاطعاً المسافة التي بينه وبين باب الحجرة، ثم استحالت الهرولة ركضاً على طول الردهة ذات السجادة المخملية وما بعدها من العشب، فلما بلغ مبلغ باب الفيلا سمع أولى الصرخات وحدس بأن تدبيره قد أصاب غايته.
وعلى هذا النحو قتل السم عبد القدوس فكان هذا موت الفوات أو الفجأة الذي دعا الرجل طويلاً في صلواته وتضرعاته فيما مضى من أيام عمره ألا يصيبه، كان عبد القدوس - على كثرة ما أقام من علاقات بالنساء - رَجُلاً أبْتَر (بلا ولد يرثه أو ذرية تؤول إليها ثروته) كشجرة بلا فروع، استغل ذهب ذاك الفراغ فتقدم بدعوى أنه "أخلص خلصاء الفقيد" كيما يحوز فيلته، وهدد الفتاتين اللتين أبصرتا جريمته بالأذى فنصح لهما بالكتمان المقرون بالسلام يقول :
- فلتنزعا فتيل الأمر ولا تزكيا ناره..
اضغط على رابط الصفحة الرئيسة لمزيد من الموضوعات : روايات قصص
- أبي..
ووهبه جسداً بارداً محايد الشعور، فلما تركه جعل يسأله :
- مَن أنت؟
- إني منير، (ثم حين يستغرق الأمر وقتاً أطول من الحيرة والصمت..) حسبتك أنك لن تضل عن تحديد هويتي أبداً.
سُر ذهب برؤية نجله سرور اللقيا غير المتوقعة، وتذكر الوحدة التي شعر بها حين غطس بجسمه في المغطس الحجري ليلة الأمس فلم يبقِ من طوله شيء، وما أصاب وجدانه حينئذٍ من شعور بالعدمية التي لم يتوقعها وقد حقق جُل أمانيه فخرج وقد جاز ستارة البوص دون أن يتذكر أنه عارٍ، وعاد لابساً ومستوراً، ثم تساءل :
- معذرة،.. ولماذا تركت نعيماً وأسرته؟
وقال منير وهو يهب الأرجوحة نظرة شوق فيهرع إليها يجربها بعد فراق الأعوام :
- لقد أساءوا إليَّ وآذونني..
وهتف ذهب راطناً :
- الأوغاد يتخفون في ثوب الخيرية..
وطال المطال بجلسة الاثنين في الحديقة التي تذكر منير بدوره عنها بعض الصور المشوهة عن نبت الجهنمية وأصص الزرع، ولم يشأ منير أن يذكره بما كان من أمر التفريط به فيثقله بعتاب حقيق بمثل هذا الموقف على نحو أربك الرجل الذي جعل يسأله :
- هل سامحت تقصيري في رعايتك بهذه السهولة؟
وقال منير في عاطفة يريد لها أن تكون خالصة نقية وهو ينهض ليعود إلى ركوب الأرجوحة :
- وطنتني مرارة الأيام على التماس الصفح للآخرين، ألم يكن لك أسباب قاهرة حملتك على ما ليس لكَ فيه يد؟
وصادقه الأب يقول كأنما أعاد الروح إليه أن يهبه نجله باباً للغفران :
- بلى.. شعرت بأنني بخلو حياتي من هدف متعال أتفانى في سبيله بعد أن حققت كماليات الحياة،.. وددت أن أراك حقاً، أو شيئاً يحملني على رؤية الإلهام في حياتي التي شحبت شحوب الأَرْض المِقْفَار، شعرتُ بالعدمية، إنني ماركسي، ماركسي يعيش عيشة المترفين، كان هذا تناقضاً شبيهاً بمن عاشوا في قصور البحر الأسود على الضفاف الدافئة مدافعين عن قضية البروليتاريا وفي أيديهم زجاجات الفودكا،.. إن الماركسية بناء يقوم على قدمين إحداهما فلسفي مادي والآخر اقتصادي اجتماعي، المادية تجعلك ترى الحب كيمياء في المخ، النجوم محض أجرام سيارة، والعواطف معوقات عن التماس الحقيقة المجردة، الألوان تحسسات الأطوال الموجية على شبكية العين، والجسد البشري كتلة من المواد العضوية القابلة للتحلل،.. ولاريب أن مثل هذا - ولو أنه يصيب الحقيقة أو وجهاً منها غير منكور - مما يفسد الاستمتاع بالأشياء ويفقدها أثرها الإنساني والحسي في النفس،.. قصدت إلى الطبيب النفساني فقال :"لا زلت تتكلم وتتحدث، وهذا يعني أنك غير مؤمن حقاً بالفكرة العدمية التي يجب أن تكون مقرونة بانتفاء الفعل الذي هو مآل اللاجدوى الوحيد، وظله العملي، إن ما يعتقده الإنسان حقاً ينبغي له أن يكون على صلة من تصرفه وإلا فهو ادعاء كاذب ينطق به، أو أن به شبهة من الافتعال،.. هناك غصة الألم أو الحيرة أو الوحشة أيضاً الذي لازلت تشعر بها، وهي معنى سلبي ولكنه موجود محسوس ويجب أن تعمل على أن تزيحه أو تزحزحه كهدف أولي، وهو مختلف عن اللامعنى،.. وإذا زعمت أن العالم ليس سوى مادة فعليك ألا تنسى أن مثل هذا الزعم فكرة، وكل فكرة هي بناء غير مادي بالضرورة.."، لقد نظر الطبيب إلى عيني وقال : "وأخيراً أسأل نفسك دائماً ماذا نستفيد من التعريف الوصفي؟ وماذا تغير؟ ومن المهم دائماً أن تطرح السؤال الصحيح.."، وقد أعجبت بطرحه دون أن تتحسن حالتي حقاً.