محاولة لسبر أغوار الإيمان في مسجد العمري!

                                                    الفصل الرابع والثلاثون: 

محاولة لسبر أغوار الإيمان في مسجد العمري!





صلى فؤاد في مسجد العمري الذي بدا في حُلة جديدة بعد تجديده، هذه المرة كان الشاب يطيل السجود كأنما يروم أن يسبر أغوار إيمان ما في نفسه، ولكنه بدا أيضاً، وعلى نحو أصدق، كمن يريد أن يصل إلى ماهية الإيمان وقد عاشر أياماً التبس فيها كل يقين كان يحمله، وكان من الوهن حتى أنه لم يرفع ساعده عن الأرض في أثناء سجوده، لقد أراد أن يتحسس السبيل إلى القرار الأصوب في مسألة معاودة السفر إلى الكويت أو البقاء في الإسكندرية، وطال به السجود والدعاء طُولاً فيما يشبه الشرود حتى لقد انتبه حين نهض إلى انتهاء الصلاة وتسليم الإمام في محرابه، فإذا هو ينهي صلاته بتلاوة التشهد وحيداً في شيء من حرج، فلما سلم فؤاد التسليمتين، الأولى عن يمينه، والثانية عن شماله، ابتسم مما وقع له، وقد خال أنه الوحيد الذي التفت إلى ما تعثرت فيه نفسه من سهو، لولا أن المصلي الذي عن شماله أخذ يقول له : "حرماً.."، وأجابه فؤاد في غير كثير اهتمام بالجواب الذي أفرغ التكرار معناه :"جمعاً.."، فيما قال الرجل له معقباً على رده فيما يشبه التندر:

- كنت سبباً في البدء في تجديد المسجد، الجميع هنا يذكرك بالخير على حداثة عمرك، واليوم تسهو فيه !

- أجل، ذهني مكتظ بألف شاغل !

- معذرة، سمعت دعاءك دون قصد مني، كان وجهانا يصافحان الحصير، وكنت في قرب مني على نحو هيأ لي السماع، الأحرى أن تعارك ما تخافه..

ومكث فؤاد يلعب في حصير الأرض - بعد أن فرغ من التسبيح - يرقب خروج الرجل من المسجد فيما ينساب ماء الوضوء من بين أصابعه ومن لدن قميصه، ثم عاد إلى بيته وقد انتابته حالة من النشاط، وجمع عزمه على أن "يعارك ما يخافه" بوصف المصلي المجهول، الذي عده رسولاً نطق من كان يدعوه عبر لسانه، وخرج إلى الشرفة يلقي نظرة الوداع على محيط الأبنية السكندرية من عل، هذه التي لا يدري أهو عائد إليها في القريب، أم غير عائد، وفزع لدى سماعه صوت يقول :

- هل عملت بنصيحتي؟

وانتبه إلى صاحبة الصوت الذي أخرجه من دائرة انسجامه في وداعيته للمدينة فكانت غادة، جارته المسيحية، وبدا أن لصوتها طبيعة متطفلة لطيفة مع ذاك، وقال لها :

- أجل، (ثم وهو يتدارك حقيقة وجودها أكثر..) في الحق أخذت بالنصيحة على طريقتي !

وسألتْه في جدية غريبة عنها :

- هل ستعود إلى الكويت؟

وقال وهو يهب الأفق نظرة طويلة هي بين الامتنان وبين الشوق :

- أجل، صحيح أن أمي أشفقت عليَّ من مصير السفر، وقالت بأن استعداداً لديها أن ألازمها - كمثل الطفل الذي لا يكبر - فتنفق عليَّ، لكنني ضحكت من ضلال هذا الرأي، على ما أكبرت ما فيه من الرأفة بي، إذ هو ينزع حقي في التطور ويغفل مسؤوليتي في العمل، وقد خلصت إلى إهماله أخيراً،.. علاوة على أن التضخم يضرب بأطنابه ههنا، هنا لا مسار لي ولا مآل، وأما مستقبل الخليج فمشرق واعد، إنها بلاد ستقيم المدنية على أراضيها، وسيطرأ لها نقلة نوعية، وإن لم يُقدر لها من الهبات الفردية والموارد البشرية أن تضيف إضافات فذة مهمة إلى مسير الحضارة، هكذا يستشرف الأمر كل ذي عينين.

اضغط على رابط الصفحة الرئيسة لمزيد من الموضوعات : روايات قصص


وأعادت غادة سؤالها عليه في شيء من الأسى هذه المرة، على نحو لفتُه حقاً :

- هل تعني أنك جمعت عزمك على الأمر، بلا أدنى استعداد للمراجعة أو إعادة النظر فيه ؟!

وقال في شيء من الدهش :

- أجل، أحسب أن هذا كان جوهر ما نصحتني به منذ أيام..

وقالت في ارتباك ظاهر، قرب حزم البصل الأبيض والثوم المخزنة والمعلقة في شرفتها ذات السور الحديدي المزخرف :

- أجل، لقد كان الأمر كذلك، قاتل الله النسيان..


واصطنعتْ رغبة في الدخول إلى بيتها متذرعة برغبتها في ألا تفسد وداعه للمدينة التي أوشك أن يهجرها، فمضت - كأنما تفزع من شيء - إلى حيث غابت، فلما ألفى فؤاد نفسه وحيداً انطلق مع سجيته، والتفت عن يمينه فألفى ذَرْقُ الطيور تتناثر بطول هذا السطح الأفقي القصير لسور شرفته، هذه التي سمع مراراً أنها تجلب الحظ والرزق فابتسم لا يدري ماذا يُبسمه : أَمِنْ تهافت المنطق الذي يصدر عنه الاقتران؟ أم من رغبته في ألا يرفض جالباً للحظ في مخاضه العسير ولو كان دليلاً على هذه الصورة؟.. ووقف يتنهد ويتأمل في شيء من الأسى، هذه المرة، صورة المدينة، فأخذته نوبة من السكون ألزم نفسه فيها الثبات التام، وفي خضم حالته هذه أمكنه أن يميز - لما أورثه إياه التأمل من فضل حساسية - رنين دقة ناقوس كنيسة السيدة العذراء والقديس بولس الرسول، فكانت رنة صلاة القداس المعتادة في أيام الآحاد، وطفقت هبات الرياح تضرب حزم هذا البصل المعلق بالشرفة الحديدية المزخرفة المقابلة فتطير في الأنحاء قشرته الواهية، ومضى (القشر) في حركة متراخية إلى حيث استقر على رأسه فلم يتزعزع عن موضعه ولم ينزعج، وفرد ذراعيه ذات اليمين وذات الشمال، ثم رفع رأسه (دون أن يسقط القشر الذي التصق بدوره بشعره المجعد الجاف)، وأغمض عينيه، وهناك برق في خاطره هاجس عجب كيف لم يخطر من قبل على باله، فأخذ يناجي نفسه في حين يفتح عينيه ويخفض ذراعيه كأنما يتملص من وضع الطائر الذي تمثله تدريجياً :"أيعقل أن وراء سؤالها (أي غادة) أمراً؟ (ثم كأنه يعاتب نفسه) لشد ما أنت ساذج في استجلاء طوايا النفوس.."، ونبذ خاطره ولكنه لم يقدر على إعادة الاستغراق في التأمل، فمضى عازماً على أن يجهز حقيبة السفر وهو يزيل ما علق بشعره من القشر.