ولتغفر لهم
الفصل الخامس: ولتغفر لهم
1982م..
طلبت فردوس من بكر موعداً تلتقي به كيما تخبره بما لديها فيه، لما تشأ الفتاة أن تجتمع إليه في شقة المعمورة مخافة أن تجد الخرباوي - الذي تعرف قدماه الطريق إلى العقار - في انتظارها مجدداً، ثم لما استقر في نفسها من التطير من المكان الذي عرفت فيه السر التعس جملة، لقد كانت تروم اجتماعاً منفرداً بينها وبين الشاب الذي التقى بها بدوره في موقع خارجي حدده هو النصب التذكاري للجندي البحري المجهول بالمنشية، أراد بكر أن يفصح لها عما وصله من آخر الرسائل من أمه تسنيم، هذه التي حملت تقريعاً له (وصفته تسنيم بالمتخاذل لأول مرة، وأجزلت في تصوير بكاء الصبية بالريف على الدكك الحجرية وهم يبصرون ترويع جماعة حمروش للجميع..)، وكان يغني موالاً صعيدياً في طريقه إلى المنشية يقول :"شوفوا القرايب قالوا عني عايب، كان فكري فيهم وظني خايب، شوفوا القرايب.."، ولكن الفتاة (فردوس) لم تعطه فرصة الإفصاح عما في نفسه، ورمقته بوجه خشبي فراحت تقول في مباشرة ما أن استقر قبالتها :
- لماذا خنتني مع العجوز؟ ولماذا سرقتها؟
وأسقط في يد الشاب الذي أفصح بما لديه بعد محاولات إنكار يقول :
- لقد ماتت المرأة دون أن أباشرها قط، طاوعتها طلباً لمال لا طمعاً في جسد، وقد سرقتها لما كنت حائجاً، إني لم أخنك خيانة صريحة، وفي هذا اتهام جائر ناضح بالعسف، وهو مما يؤلمني أن أرده عن نفسي..
وتطلعت إلى ما كان يعلو أعمدة النصب من تيجان، ثم ما كان يعلو التيجان نفسها من كمرة نصف دائرية تربط بينها نقوش وزخارف وكرانيش بارزة، كأنما تتقي النظر إلى من جلله الخجل، تقول :
- لقد نويت الخيانة على أي حال، وهذا معقد الفرس !
- هل تحاسبينني على ما قد انتويت؟
وأجابته في عزم :
- الله يفعل ذاك، وهو عدل لا يجور..
ولا تزال تعاتبه حتى قال :
- أرأيتِ لو قفزتُ في هذا البحر بلا عودة أو أني انتهيتُ من الوجود،.. هل أكفر بهذا عن خطيئتي؟
وسكن جأشها أمام اقتراحيه الموتورين فراحت تقول بعد أن اقتربت منه زلفة :
- إن صاحبك (تريد الخرباوي) يريدك مغنياً في كازينو الشاطبي، إنه يلح عليَّ بمفاتحتك في الأمر ولكنني أرجئه غير مرة..
- يريدني لقاء ماذا؟ ألم يعلم أني أبغضه وأبغض عملي معه؟
وقالت :
- يريدك لقاء كتمان السر الذي اطلع عليه.
وغضب لسماع الأمر، فجعل يقول :
- لقد كفتني تجربتي أن أزيد في مماهة ما لا أقنع به، ولقنتني أيامي أن علاج الخطأ لا يكون بخطأ مثله، كنت أملك هوس طفل حين جئت إلى هنا، واليوم أملك صرامة عجوز.
ووجدتْ أن المقام لا يحتمل الاعتصام بحكمة أو خلاصة تجربة لشحة أو انعدام الخيارات فيه، فقالت منفعلة :
- سيشي الرجل إلى الجميع بأنك قاتل العجوز، ما من ملاذ أمامنا إلا ملاذ الرضوخ له !
ونظر إليها فتركزت صورته وملامحه الصارمة كأنه تمثال إغريقي ردت إليه الحياة أمام النصب الذي استلهم من المعمار الإيطالي للنصب التذكاري لفيتوريو إمانويلي الثاني تكوينه المصغر، يقول وهو يأخذ يضغط على مخارج أحرفه كأنما هو بالكاد يسيطر على غضبه :
- إني لم أقتل العجوز..
وحملتها صورته الغضوبة على أن تعدل عن تخطئته إلى سؤاله :
- وماذا عساك أن تفعل إذاً؟
- سأختفي ريثما ينصرف الانتباه عن القصة إلى غيرها، إن للعوام فورات شعورية إزاء الحوادث الجديدة، حتى إذا خبا بريقها جعلوا يثرثرون في أخرى من مثلها،.. وحين يحدث ذاك لن يملك الخرباوي ما يساومني به، أجل، ستكون وفاة العجوز من المنسيات، أقصوصة تصير إعادة سيرتها كنبش في قبر !
جعلت الفتاة تقلب ناظريها في محيط النصب التذكاري مخافة العيون التي يحتمل أنها تقف هنا أو هناك فتتربص باجتماعهما، كان الخرباوي يحدث أن يظهر لها من العدم يسألها التعجيل بسؤال صاحبها وإقناعه بمعاودة العمل معه، الأمر الذي عنى أنه يرسل بين آن وآن من يتعقبها في سيرها، وتساءلت :
- وأين ستختفي؟!
وبدا أن السؤال الذي طرحته الفتاة معلق على أكف المجهول، وقد قبع أملهما في الحياة اليسيرة على صخرة المستحيل، استبعد بكر - مع إلحاح رسائل تسنيم وحاجته إلى الاختفاء - العودة إلى الريف الذي جاء منه، لأنه كان يعد الأمر بوصفه :"نهاية صراعه في المدينة بالفشل التي لا يريدها.."، عادت فردوس إلى نور التي كانت قد وضعت عطية الله، مولودها الثاني بعد نبيل، أظهرتها الفتاة على محنة بكر - لما كانت نور أكثر المتعاطفات معه والمحبات له بالإسكندرية بعدها - فغصت المرأة بما سمعت، قالت كأنما تستخلص موجزه :
- تريدين لي أن أجد له موضعاً يواريه من القانون مع علمك باقترافه لجريمة سرقة؟
وأجابتها فردوس تدافع عن صاحبها دون قناعة عميقة :
- ليس كل من أخطأ أسقطنا مكانته، سيرد بكر ما سرقه إلى الجمعيات الخيرية، لقد وعدني بالأمر الذي بتَّ فيه فعلاً..
سألت نور بدورها زوجها عزاً دون أن تظهره على حقائق الوقائع التي تدين بكراً، كانت على يقين من أن زوجها - لما كان ضابطاً غاص فيه الالتزام الوظيفي بطول ممارسته للمهنة - سيرفض الأمر إذا هو سبر كنهه، إن التستر على جريمة مدان مما يؤذيه ويضرب أمانة عمله، ميثاق مهنته، وحتى قسم تخرجه ومستقبله الوظيفي - يضرب كل أولئك في الصميم، قالت له نور كأنما تمضي فوق الأشواك : إنه (أي بكر) يبحث عن سكن آخر بعد أن أصابه السأم من طقس البحر العاصف المالح بالمعمورة، أو موضع يقضي فيه بضع أشهر ريثما "يجدد بطاريته" بتعبيرها المختلق، واختمر السؤال في عقل عز حتى جاءها يقول كأنما يفتح صندوقاً قديماً مترباً يعرف قيمة ما فيه :" لا أجد خيراً من بيت خالي يوسف، لقد بات الرجل في وحدة شاملة بعد أن تزوج نجله حسين، وقد ترك زوجه ونجله الأكبر في باريس.." !
اضغط على رابط الصفحة الرئيسة لمزيد من الموضوعات : روايات قصص
أمكن لمنير أن يبقى في فيلا لوران مغالباً محاولة أبيه ذهب في طرده منها بعد أن عرف بتفيدة، زوج عبد القدوس التي كانت أوثق العائشين صلة إلى الرجل، جاءت له المرأة بالوثائق - التي تبين أنها قد استخلصتها من الحقيبة القطيفية ذات القفل التي وهبها عبد القدوس إياها يوم طلاقه منها، ونصحها بألا تفتحها إلا يوم علمها بوفاته - فكشفت عن وصية عبد القدوس حيث حدد فيها الرجل تركته، كان لتفيدة فيها نصيب الأسد (علاوة على جزء بسيط من الثروة خصصه للحسناوتين)، وكتب فيها مزيلاً : "إلى أخلص النساء التي لم أستحقها قط..".
- ألا تتواصل مع أهليك بالنوبة؟
وأجابها يقول وهو يمسح جفنيه المقرحين لقلة نومه :
- بلى، إني أجيء لهم بوظائف عمل، وأوفر لهم فيزات السفر إلى الولايات المتحدة التي يرونها قبلة أحلامهم.
وابتسمت تفيدة فلاحت تجاعيدها لدى وجنتيها علاوة على ما كانت تبديه رقبتها من ترهل ملازم لا ينشط بالانفعال، ثم سألته :
- وماذا عن أسرة نعيم؟
وهيمن عليه الضجر فعكف عن جواب سؤالها إلى سقاية العشب، ولكن العجوز أزادت تقول وهي ترقب بريق الخضرة التي أمامها :
- أليس لهم حقوق عندك؟
وقال وهو يهبها نظرة فيما يمسك بيمناه بخرطوم الماء، كأنه يريد أن يدرأ عن نفسه شبه التقصير والجحود لما وخز استفهامها المستنكر ضميره :
- لقد أخفوا عني حقيقتي طوال أعوام..
وقالت متأثرة بما سمعته عنهم من زوجها عبد القدوس - قبل مماته - ومنه:
- بل هم قوم طيبون، أخفوها عنك محبة لا احتيالاً، ورعوك رعاية الأهل لذويهم..
ووجد في عنادها ما حمله على ترك السقاية، وترك الخرطوم على الأرض فإذا هو يتحرك بقوة الماء المندفع كالحية التي تسعى على بساط أخضر، وجلس إلى جوارها يقول منفعلاً دون أن يحول عن مودتها :
- لازلت أشعر بتشتت الهوية جراء ما حدث لي في طفولتي ! هل ينفعني أن أعيش بلا جذور؟ لا أكاد أرى في ذهب أباً مخلصاً لي ولو جمعتني معه مصاهرة الأنساب، ولا أكاد أرى في نعيم والداً لي كذلك ولو كان خير الناس تصرفاً وعطفاً عليَّ.
وقالت :
- خير الناس ذو حسب قديم أقام لنفسه حسباً جديداً، وإن الفتى من يقول ها أناذا، ليس الفتى من يقول كان أبي.
وقال :
- بعض الحكم رائعة حقاً ولكنها لا تعمل.
وربتت على كتفه تقول :
- فلْتُعدهم (أي أسرة نعيم) إلى هنا في زيارة ولتنسَ الغلواء والانتقام، لقد تبنوك في بيتهم مرتين : الأولى في لوران، والأخرى في مانارولا، ووفاء الدين لا يكون إلا بهذا، إنها لهنجعية فارغة هذه التي يصدر عنها لسانك..
كان خرطوم الماء قد جعل يتلوى في خلال ما مضى من زمن فإذا هو يستدير - لما كان بلا مسيطر - إلى الاثنين موجهاً إليهما فيضاً جزيلاً من طاقته المتدافعة من لدن فوهته، وغرق اثناهما في ماء كالسيل حتى نبت الضحك على الوجوه، وقصد منير إلى المغطس الحجري كيما يستحم وراء ستارة البوص ويبدل ملابسه، فيما كانت العجوز أميل إلى الاستحمام العادي بعده ودون كثير فخفخة (رغم إلحاح منير عليها غير مرة أن تجرب المغطس الحجري)، أرسل نعيم إذاً إلى أسرته القديمة المصطنعة في عودتهم إلى لوران، وتلقفت الأسرة رسالته بقلب متلهف وعنق مشرئب، حرص منير على تزيين الفيلا كيما تكون على خير صورة ممكنة على نحو يحمل العائدين على البهر والإعجاب، كان يطهر الأرضيات بنفسه ويسقي النبت ويدهن الأسوار شأنه شأن العاملين في المؤسسات التي تتأهب للقاء مسؤول مهم ولكن دافعه في هذا باعث آخر غير الخوف، إنه ضرب من ضروب الرغبة في إثبات الذات، أو قل المباهاة بالجدارة، واستبدل ستارة بوص المغطس بستار أسود وفيروزي مصنوع من دمقس مزخرف كي يزيد في هذا الشعور بإتراف البيت،.. وآنت الزيارة فاستقبل تمثال العاج المرحب الأسرة الزائرة بوجهه البشوش، عانق نعيم ومريم منيراً وحتى آمال سلمت عليه بأطراف أصابعها لما كانت في صبغة الخجل التي تُضرب عادة على الأطفال حين يخالطون عالم الكبار، إذ هي لم تزل في التاسعة، وأخذ منير بخجلها البريء حين بصر بها فتركها مع تفيدة، وكره أن يكون سبباً في حرجها،.. ولكن عارفاً لم يحضر قط، وسأل منير عنه أباه، فأجاب نعيم وهو يرقب هذا الجديد من أمر الفيلا في سرور :
- لقد بقى عارف في مانارولا لما كانت الحصافة تقضي بأن يبقى منا من يقيم العمل هناك، سيعمل في مضمار الطب، طب الأسنان على الخصوص، وسيرث الابن (عارف) مهنة الأب مثلما ورثها الأب (أي نفسه) من الجد (طه).
وفطن منير إلى أنها الغيرة على الحق التي أبقته ها هناك ولكنه لم يشأ أن يزيد، وذكر شيئاً عن أن بعض الشغف بالمهن يتولد من المحيط لا من سحر أو حلم الوظيفة نفسها، وتجاذب الجلوس أطراف الحديث مدة فيما كان القوم يولمون لدى مركز الحديقة فيأكلون الثَّرِيد - وهو غذاء من خبزٍ مفتوت ولَحْم ومَرَق - في قصع من فخار، لم يكن ثمة نهم حقيقي في الثرثرة الحميمية ولا إزاء الطعام، فالحرج التهم الكثير، وتفكر في تقلبات الأيام أعجز القرائح عن الاسترسال، وثبط الأشهية، وبسط الحرص بدل الإقبال أو الشره،.. وأي داعٍ للحرج أكثر من أن يستقبل الطفل الذي شب "أسرته" في بيتهم القديم؟ كانت آمال صحبة العجوز تفيدة يتمشيان حول محيط حمام السباحة غير بعيد من الجلوس، فوقع أن زلت قدما الصغيرة وهوت بجسدها في الماء، هناك جعلت العجوز تصرخ في الجلوس :