التهرب من السؤال الصعب
الفصل السادس عشر: التهرب من السؤال الصعب
قضى فؤاد ليلته مع المرأة التي أصرت على شرح مفردات العقيدة المسيحية وشخوصها له، تحدثت له عن قوم لوط العصاة، ثم عرجت إلى الحديث عن الإسكندرية المسيحية تقول :
- كانت آنذاك عاصمة مصر، وواحدة من أكبر مدن العالم،.. يرتحل تجارها إلى الصين والهند وسيلان لجلب الحرير والتوابل والأحجار الكريمة، ومستودع يُصدر منه إلى موانئ البحر المتوسط حنطة وادي النيل ومنتجات الشرق الأدنى، مدينة اللهو والبذخ : الثروات الضخمة، والغانيات الجميلات ! لقد كان لنساك الإسكندرية، معتزلي العالم فوق قمم الجبال وفي جوف الصحاري، أكبر الأثر في انتشار الرهبنة في الأراضي المقدسة، والدولة البزنطية، والغرب الأوروبي.
وعن مريم المجدلية تقول :
- كانت (مريم المجدلية) من أهم تليمذات يسوع المسيح، وهي رمز للإنسان الخاطئ الذي يتوب، تماماً مثلكَ أنت !
وكان فؤاد يهبها وجهاً فاتراً وقد استولى عليه هاتف النوم، لولا أن العبارة الأخيرة لفتته حقاً فكأنما فزع فزعاً خفيفاً في خضم حالته المستغرقة الذاهنة، كانت الليلة مُدْلَهِمَّة، وحين أنهت المرأة حديثها كان الفجر قد بسط حواشيه فنهضت عنه، وغفا فؤاد هنيهة ولكنه عاد يقظاً حين جاءت إليه الأم ومعها ثلاث قطع من العنبر الأصفر، فقالت وهي تهبه ابتسامة :
- هذه هديتي إليك، واحدة من ثلاث، وحين تأتيني في كل مرة لك واحدة..
وأمسك فؤاد بقطعة العنبر الأصفر التي بدأت إلى بريق العِقْيانُ الرائع أشبه، وكانت أكثر صنوفه (العنبر) شيوعاً، وأردفت تقول :
- العنبر قيء الحوت،.. ألا ترى الجمال فيه؟ أكرم بصنيع الإله يتجلى في كل شيء !
وأصاب فؤاد نفور حمله على أن يبدي تقززاً، وكان حديثها ينطبق عليه الوصف : الجهل به نعمة، واستغرق به الحال وقتاً حتى يستوعب حقيقة أنه يمسك بقيء أكبر المخلوقات على الإطلاق بين يديه حتى أخفى هديته ذات البريق في جيب بنطاله، وعاد يستعيد انتباهه ويقظته، يقول :
- أعذريني، سيدتي..
وقاطعته تقول :
- سمني باسمي مادمت قد دلفت إلى داري، وخبرت من أمري كثيراً، ثم أبديت قدرة على الإنصات والتحمل : إن اسمي فيفيان.
وظل فؤاد يكرر الاسم الغريب كمن يحاول أن يستسيغ غريباً من الطعام أو الشراب، حتى سألها عن معناه، فأجابت مبتسمة كأنما سرت أن يكون اسمها موضوع سؤاله :
- تعني المرأة النشيطة، أو المملوءة بالحياة، سماني به أبي تشبهاً بالشهيدة القبطية العظيمة فيفيان، لقد ورثت عنه شغفه بالعقيدة..
وقاطعها يوسف وهو يتطلع إلى العبارات المكتوبة من إنجيل متى، وقد لفته واحدة منها تقول : فلا تهتموا للغد، لأن الغد يهتم بما لنفسه، يكفي اليوم شره. (مت 34:6) يقول :
- معذرة سيدة فيفيان، إنني منذ أتيت أتهرب من السؤال الصعب الذي إليه المآب على كل حال،.. هل بوسعك أن تعيدي النظر في شأن ابنتكِ؟ لقد تلقنت منك الكثير دون حاجة إلى انخراط في نمط حياة مغلق كالرهبنة؟
وتجهمت على نحو غريب مفاجئ، فنطقت تقول :
- إني أربأ بكَ عن أن تنطق بمثل هذا الحديث بعد كل ما سمعت وعرفت.
وقال :
- بل إنني أنطق به لأنني قد سمعت وعرفت..
وانفعلت تقول :
- هل تواعدتما على شيء؟
وقال في صرامة غريبة عن شخصيته المترددة :
- نصحتني غادة بما شد أزري في الكويت، وجعلني أحفظ لها جميلها إلى الأبد، إن هذا غاية ما في الأمر.
وقالت كأنما انجلت لها صورة قلقة فوضحت على نحو أوحى لها بثقة متوهمة :
- فلتسمعني : إن محاولتك لمفهومة مبررة، الراهبات لا يتزوجن، ولقد تعلق فؤادك بابنتي التي ستعيش عذراء بتول، وإنها لجديرة بمثل هذا التعلق، وقد كنت لأقول عين الأمر لو لم أكن أمها، ولكنني أقول : لا شيء يضاهي الانقطاع في ملكوت الرب !
ونهضت كأنما تنهي الزيارة فأهداها الفتى الذي خاب قصده أعواداً من الند كان قد اقتناها من الكويت، وإنها لمناظرة - على نحو ما - هديتها "العنبرية" له من جهة الرائحة الطيبة، دونها بأشواط من جهة الثمن، فقبلتها المرأة في رضاء وارتياح - كأنما لا تدري كم خيبت رجاءه - تقول :
- هدية مشكورة، سأضيفها في الزوايا، وسيشيع الطيب إثر ذاك في كل ثني من الثنايا، فلتعد إليَّ في زيارات أخر فثمة المزيد مما يستحق الشرح والتوضيح..
وانهمك فؤاد بعد عودته إلى الكويت في العمل يخفي به لوعة نفسه واضطرابها، عانى غربتي المكان والعقل، وقد فرقت غربتيه بين الجفن وبين الوسن، فحدث أنه كان يحمل الكثير من الصناديق فوق ظهره الذي احدودب حتى آده الحمل وثقل عليه، وحاول أمجد أن يهون عليه فيشاركه عناء الثقل، وقال وهو يتطلع إلى ذقنه الحليقة، وعينيه المقرحتين :
- مالي أراك تشق على نفسك؟ كأن فؤاداً آخر قد عاد إليَّ لا هذا الذي أعرفه.
وقال فؤاد يتذكر عبارة تتردد في أذنيه : "الراهبات لا يتزوجن، ولقد تعلق فؤادك بابنتي.."، ثم أخرى عميقة سرمدية :"لا شيء يضاهي الانقطاع في ملكوت الرب !" - قال بعد أن اجتر العبارتين :
- إنها قصة طويلة أتلهى بالعمل عنها، ولا طاقة لي اليوم بسردها، أنت أيضاً تبدو في انهماك وشغل.
وقال أمجد وهو يترك الصندوق في الزاوية قبل أن يصل به إلى الموقع اللازم :
- سيجي رمزي اليوم ! سيحكي لي عن العراق الذي ملك الكويت وسأصمت وانزعج، إنها سرديته التي لا تجد من مفند لها، ما التاريخ إلا سردية سائدة.
وبدا أن مراجل الغضب تغلي في صدره، فأجابه فؤاد في بداهة كأنما يدفع عنه ضراً وهو يشرب كوباً من الماء فيطفئ غلته :
- فلتجبه على الحجة بالحجة !
- التعقل خير من المواجهة.
- أنت تعرف قول أبي الطيب المتنبي : يرى الجبناء أن العقل عجز.
وأكمل الآخر خافت الصورة والصوت، كأنما يرمي نفسه بالوصف الذي في الشطر الثاني من البيت المعروف دون محيص عن الأمر :
- وتلك خديعة الطبع اللئيم.
وساد الصمت بين الرجلين، أخرج فؤاد قطعة العنبر الصغيرة، فجعل يسأل محدثه عن ثمن الجرام منها وأجابه الآخر بما يعرفه جواباً وصفياً لا كمياً :
- أجود أنواع العنبر هو الأشهب القوي، ثم الأزرق، ثم الأصفر كهذه التي في يدك، وأقل الأنواع جودة هو الأسود، إن جرام العنبر ثمين كالذهب، فلا تفرط فيه لمن يبخسه ويحط منه من تجار يخسرون الميزان.
واستأنفا حمل الصناديق فلما انتهيا كان رمزي يزجي الخطى إلى الحانوت، يسبقه صوت سعلته المميزة.
اضغط على رابط الصفحة الرئيسة لمزيد من الموضوعات : روايات قصص
أوصل عز بين رسالة تسنيم وبين بكر بعد أن عاتب زوجه على إخفائها للأمر المهم، قرأ بكر الرسالة - التي كانت أشبه إلى أقصوصات مجمعة بصمغ عربي - فبكى بكاءً مراً بطول الليل، وطفق يأنف مظاهر النعمة والاستقرار التي كان منغمساً فيها، قالت نور لزوجها يومئذٍ :
- خشيت إذا هو قرأ ما فيها أن نخسره.
كان مما يزعج عزاً دائماً أن يوصم بوصم الزوج العقيم، وإنه ليعد الأمر نقصاً لصورة الرجولة الكاملة كما يجدر بها أن تكون، ومن ثمة كان سريع الحنق حين انخراطه في أيما حديث يتماس مع الإقرار بهذا الأمر الذي لا يريد له - في أعماق نفسه - اعترافاً به، وقال لها :
- عذر تعس أقبح من ذنب عظيم، ألا بئس التصرف تصرفك ! إن مصلحة قريته فوق مصلحتكِ..
وأخذت تلوم نفسها فتقول :
- أعمتني العاطفة عن رؤية الصواب، وليسعف القدر بكراً قبل أن يميتني الندم..
وأخذ بكر يتجهز لسفر مجهول المآل لا يدري أيعود بعده أم لا يعود، فكان مما تجهز به أن اشترى بعضاً من الأسلحة المرخصة بشارع صفية زغلول، واصطفى له البائع بندقية من طراز طومسون (رشاش شيكاجو) خاصة غير مرخصة، كان يكتنزها (البائع) في خزانة متربة لمن هو أهل لثمنها،.. وألقى بكر على البحر المتوسط نظرة المودع، ثم أفصح لفردوس عن امتنانه الأبدي لها، أفصح لها بهذا حين عرج إلى بيت هدى دون أن يلقي على الأخيرة السلام، وقد وهبته فردوس بدورها مبلغاً من المال هو مكافئ ثمن عقد من اللؤلؤ رائع كالدُّرِّ الصافي أو الخَضْلُ تحصلت على قيمته بعد أن باعته في محل صاغة، بعد أن خسف البائع بكثير من قيمته،.. وقال لها :
- إن هذا معروف آخر أخشى ألا يسعفني قدري أن أرده..
وقالت تغريه بمزيد من العزم :
- بل أنت أهل لحياة بلا ديون..
وعقد العزم على أن يعود فيتزوج بها إذا ما قدرت له المقادير عودة، وبلغ غايته الريفية فكان أن اشترى بمنحة الفتاة له حصاناً محجلاً، له غرة بيضاء في جبهته، وبياض فوق الحوافر، وعينان ومنخارين واسعتان، وجبهة متسعة، وظهر مستقيم، وقوائم منتظمة، ورقبة مقوسة، وخصر ضيق، كان يبحث عن العودة الأسطورية ينقذ به أهليه.
وفي أبي تيج يضحل النهر، تنقنق الضفادع، يتبدد التيار، تحمحم الخيول، تتطلع تسنيم إلى صفحة هذا النهر في خضم حالتها العاجزة القاصرة وقد أشفت على اليأس فتتساءل : هل تلونت مياهه بلون أحمر قانٍ؟ أم هل استحالت أسماكه إلى عقارب صفراء؟ ما بال هذا الوهن ينشب في وجدانها؟ لشد ما تأخر بكر كثيراً، لقد أرسلت رسائلها إلى الإسكندرية التي ابتلعت استغاثتها به، مثلما انتهبت الصفاء من دنياها منذ لاحت أول ما لاحت على فم نجلها المفتتن بالحضر مفردتها كبوابة لمشكلات لا حصر لها، يوم بدأت "سيرة العصا والسلاح" عابثة بسلام البيت الهادئ المتطامن، ويتقدم إليها رجل فيقول :
- سيقتحم رضوان مبنى العمدة بين جوقة من رجاله !
وهرعت المرأة كيما تحول بين الرجل وبين مراده، وجمعت لأجل ذاك ما هو حقيق حقاً بأن يردعه، وإن الغالب في قريتها لهما الشجاعة والنجدة، احتشد أكثر أهل القرية للحدث المثير عند مبنى العمدة الذي كان غير بعيد من أبراج الحمام الفخارية التي خلت بثقوبها الدائرية المتراصة من الطير، ولكن رضوان لم يفوت فرصته من النوال بتسنيم فجعل يقول :
- عهدنا عن نساء الريف جمع المحصول، وانتظار الزوج، ثم إنجاب الأطفال لا مضارعة الرجال في ساحاتهم..
وقالت تريد أن تستميل النساء الواقفات في آخر الصفوف من الفرقتين:
- ما أنت إلا واصفاً رهينات مسيرات لا آدميات ذوات شعور.
لاح بكر صغيراً من زاوية المشهد المزدحم ثم متقدماً إلى حَوْمَةِ الوَغَى، سرعان ما استرعت صورته انتباه الواقفين، كان الشاب قد نما في الإسكندرية فبدا أهلاً للاعتبار، وترامت العبارات :"يالصورته الرائعة.."، "إنه ما عاد غلاماً هملاً.."، فيما هوت دمعة تسنيم على الأرض الجدباء، لقد رأت ظلاً حياً لنوح، وبأساً موازياً لمن مات وانتهى، وقال رضوان يريد أن يستميل خصومه من الريفيين البسطاء :
- ذروني ومكتب العمدة أجيء لكم بالعجائب والمعجزات، هل تكتب الفئة الصغيرة قانونها على الجميع؟ إني سائلكم أيها الواقفين الممانعين : ماذا صنعتم إلا الخراب؟ إننا جميعاً يد واحدة أهل حق.
وقالت تسنيم :
- لا صراع بين حقين ينشب.
وامتاز إبراهيم من حشد رضوان فقال :
- كيف ونحن زوجان متخاصمان؟
وقالت :
- سأحفظ لساني أمام الملأ احتراماً لما تفرضه الزيجة بيننا من أعراف ومواثيق.
وقال :
- ألا تسوققك الأعراف نفسها إلى ترك الرجل (أي رضوان) أن يؤدي عمله؟
وقالت :
- الحق فوق الأعراف والمواثيق..
ورفع أشياع رضوان أسلحتهم التي كانت معلقة في سروج خيولهم، ورفع أنصار تسنيم أسلحتهم جواباً على المبادئين، وحدث أن لفت سلاح بكر (بندقية من طراز طومسون) الذي ابتاعه من الإسكندرية الأنظار لغرابته عن البقية المشهرة، ومضى إلى الهيجاء بعزم الجهاد وتأهب البذل حاملاً قدره على يديه، فقال رضوان له يضرب وتراً خبيثاً :
- أراك رافعاً في وجوهنا سلاح المدينة التي آثرتها على ديار قومك؟
وقال بكر في عاطفة نبيلة، ثابتاً غير هياب مفعماً برجولة، وكان جواده قد بدا مستوفزاً على رجليه الخلفيتين :
- إن طلب العدالة سلاحي الوحيد.
وهناك هبط من السماء ماء ثجاج، فجعل عجوز من الخلق يقول في نشوة شائخة :
- لقد هملت السماء،.. والحمد للوهاب العظيم !
كان بين القوم من لا يزال يشكي السلاح فاسترخت الأيدي وولت شوكة الاستعداد وحدته، تواتر مجيء الخلق تباعاً، لقد خرجوا من البيوت الطينية - أو ما تبقى من أطلالها - بحثاً عن الماء كالفراشات تقتفي أثر النور حتى أن طفلاً فقيراً عارياً قد استحم في حفرة مملوءة بمياه الأمطار، ودعت تسنيم بدعاء الاستسقاء في صوت جهير سمعه كل الرجال : اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهمّ اسقنا غيثًا مُغيثًا مَريئًا نافعًا غير ضار، عاجلًا غير آجل، اللهم اسق عبادك وبهائمك، وانشر رحمتك وأحيي بلدك الميت.."، وترجل بكر عن حصانه المحجل الرائع فجعل يمسك بالنعمة الهابطة من المعصرات، وهبط على ركبتيه فتلطخا بطين جديد التكوين، وغسل وجه يقول :