سعداء لكونهم من هم
الفصل الخامس والأربعون:
سعداء لكونهم من هم
ألحت نور على عز بأن يعود يبحث عن بكر في ضواحي وأحياء الإسكندرية، ورضخ الرجل لمطلبها لما بدا فيه من العزم، والقصد الشريف، ولما استوطن في صدره من شعور بالمسؤولية تجاه بَلْورة فكرة السفر إلى الإسكندرية في عقل الفتى،.. وجاءها - ذات مساء - يقول :
- إلهي ! أشعر أن النار لفحتني كحمم التنور..
وحملها تشبيهه على بعض الارتعاب فسألته :
- ما خطبك؟
وقال بعد أن جلس على كرسي يجاور أصيصاً فيه نبات الظل :
- أتاح لي عملي بالداخلية أن أجد موقع بكر، أرسلت - لانشغالي بمهام جمة - بمن قص أثره وتبع مساره في نهاره ومعاشه، وأظهرني - مما أظهرني - على فقرة يؤديها الفتى بالمساء في كازينو الشاطبي، فلما حضرت إليه أبصرته يغني معية الراقصة كمن سفه نفسه، ماجناً بلا رادع، أقول يغني على هاته الصورة المشينة غناءً شعبياً، لا يهم إذ هو لعبد المطلب أو لأقل الفنانيين الشعبيين موهبة لأنه سيكون قد أساء لفن أي من الاثنين بصوته الناشز، لقد فزعت كل الفزع مما قد رأيت، وزاد أسفي لما رأيته في اندماج السرور كأنما يستقي من لذة الأيام المخمورة، وتركته حين طرحت عن منكبي رداء الفزع..
وقالت نور في أسف :
- لقد حملته الحاجة على مثل هذا.. ولو أنك سألته لأجابك : قد ضاق الحبل على الودج.
ثم تحركت نحوه وكانت حالة قدمها المكسورة قد أصابت بعض التحسن، وإن لم تسعفها طاقتها لترتيب ما قد انتكس من نظام البيت، فمضت بين فوضاه وبقايا الجبس وقالت :
- الواجب يقتضيك أن تنتشله من سوء هذا المصير.
ونكس رأسه يقول :
- أعرف هذا..
وقصد عز إلى كازينو الشاطبي، إلى بكر، وإلى ثروت الخرباوي، فقال للأخير :
- فلتكف أذاك عن الفتى الغض، حببت إليه ما ليس فيه..
وأجابه الخرباوي :
- إنني ما قسرته قط على شيء لم يقبل هو عليه عن طيب نفس..
وقال عز :
- أجبرته الحاجة ولوثت المدينة صفاءه..
وقال الخرباوي يبتسم وحده :"إنني بريء إذاً.." فيما تنحني له النادلة في مرورها الذي يتقاطع به خلال ما تؤديه من خدمة الجلوس، وقال بكر الذي كان - حتى اللحظة - ملتزماً الصمت :
- إن وجودي بالإسكندرية خياري الذي لم يحملني عليه إنسان، نبذت تخلف الريف والريفيين.
وأزعجه (عز) أن يقرن قومه بالتخلف، فسأله معاتباً :
- ألا يكفيك أنهم سعداء لكونهم من هم؟
- كلا.. بهذا المنطق يتساوى إنسان الكهف مع إنسان الفضاء والذرة، إن رضاء الأول ينبت في تربة الجهل المحدودة، وأما رضاء الثاني فمبعثه التشبع الحقيق بالاعتزاز،.. فلتسمع لي : لقد جئت إلى المدينة لغرضين اثنين، الأول : أنني رمت الاستمتاع بحياة الحضر واجتياز حجاب الريف، وقد أتاح لي عملي هنا هذا المنال على ما جره عليَّ من صراع نفساني أوائل عهد تأقلمي هنا فانصهاري، والثاني : أني قصدت إلى لقاء أصدقاء أبي من أولاء المنتمين إلى الجذور الساحلية كيما يتسنى لي أن أتعرف على هذا المجهول من سيرته، ثمة أمور في حياتي ظلت بلا أجوبة : من أين لنا بالفدادين الخمسة؟ لماذا تكره أمي الإسكندرية؟ ولماذا يشدني الحديث عن المدينة شداً؟ وهلم جرا، لقد جئت أبحث عن الجواب الذي يرتاح معه شيطان نفسي، وتستقر معه ثورات بواطني..
وهتف عز في بكر يقول :
- فلتحدثني عن أمارات من تبحث عنهم..
- لا أعرفهم على الدقة،.. كان بينهم شيخ ترك في ديارنا من أثره سلاحاً وعكازاً..
وأزاد بكر في ذكر ما وصله من أوصاف بعضها واضح، وبضعها شبه مبهم، ولكنها - جميعاً - اشتركت في تأطير ملامح مألوفة لدى السامع، وقال عز كالعائد من لحظة شاردة إلى اكتمال وعي :
- وكأنك تتحدث عن جدي بهاء الدين،.. رباه ! كنت على حدس بأن بيني وبينك صلة أوثق من لقاء في عرس عابر، فلتسمع، بوسعي أن أصلك إلى ابنته العائشة (هدى)، كبرى أولاده، إنها كنز ما تبقى من أخباره، بوسعي هذا في مقابل وحيد تعدني بالوفاء به..
وارتبك الخرباوي لحدسه بما هو آت، وأردف عز يقول :
- وأما المقابل الذي أريده فهو أن تترك العمل هنا..
ولما كان شغف بكر بحقيقته الغائبة فوق انغماسه في لذاته العابرة، فقد مضى - كالمنوم مغنطيسياً - رفقة عز تاركاً العزف والمزمار والراقصة، وأخذ الخرباوي يصيح عبثاً فيمن أخذ منه موظفه الجديد، ومغنيه الركيك، ثم يصيح في بكر عينه، يقول فيما تمضي كرة السقف بألوانها ترسلها في كل اتجاه كأنما لا تقف عند مغادر أو آت :
- لقد خسرت رزقك هنا واتبعت الشاب الغاوي اتباع السذج لمن يستخدم براءتهم،.. لن يلتفت إليك مخلوق إذا أنت جعت في الإسكندرية فقرصك الجوع، أو ظمأت فتيبست شفتاك،.. لقد حذرتك قبل اليوم بما هو حقيق لي أن أعيده على مسامعك اليوم :"حاذر أن تبحث عما يؤذيك !".
اضغط على رابط الصفحة الرئيسة لمزيد من الموضوعات : روايات قصص
- ستعرف بنفسك حين تراها (هدى)، غداً.
وسأله بكر في أسف :
- تقصد أني لن ألتقي بها اليوم؟
- اليوم تنام في بيتنا، وغدا تتحقق لك اللقيا المنشودة، ستنام على سريري، وسأنام ههنا.
وفرش عز لنفسه على الأرض في موقع قريب من نبت الظل، واستخفه النوم بعد أن أمضى وقتاً محملقاُ إلى حشرة تسعى على هذا السقف العلوي.
في عين الأثناء، أبي تيج..
استيقظ رؤوف في سكناه شبه المنعزلة بأبي تيج على صوت من يطرق الباب في شدة جعلت قفله يهتز ويرتج في عنف، كان النائم (رؤوف) مضطراً إلى تغطية جسده بالكامل - على اشتداد حرارة الطقس هنا - كي لا يتركه نهباً للناموس، وهبط من سريره العلوي مستخدماً هذا السلم الخشبي، حتى تعثر لدى المستوى الرابع منه - من الجهة السفلية - فأكب على وجهه، ونهض فأدار مفتاح القفل ثم جعل يهتف بمن فتح له ولم يستبن - بعد - هويته :
- بربك.. هل نفذ الصبر من هذا الوجود؟
وألفى الشاب تسنيم فارتبك فوق ارتباكه، وعلاه البهر فاغبر وجهه، فيما بادرته تقول :
- لقد تركت هذا (تشير إلى منظار معظم) قرب الصخرة الضخمة..
واصطنع الحيلة يخفيها في ثوب التصرف الرشيد يقول :
- إلهي ! لقد بحثت عنه طويلاً (أي عن المنظار) حتى إذا استيأست من إيجاده تركته والأسف يملؤني،.. طوبى ليدين وجدتاه في ضيعته !
ولم يبدُ أن المرأة الحصيفة قد ابتلعت الطعم أقل ابتلاع، فسألته في حياد غير متجاوب مع ما قد أبداه من الأسى القديم أو السرور الحالي :
- مَن أنت؟ وماذا تعمل؟
وأجاب وقد بدا عليه ارتباك زاد على شعوره المرهف فأمسى ككرة من العاطفة :
- إنني طالب في المرحلة الثانوية..
وأنشأت ترفع حاجبها كأنما تحدس أمراً :
- وما الذي جاء بك متسللاً إلى حديقة بيتي؟
وخر على ركبتيه في مشهد مسرحي فجعل يقول كمن يخر ساجداً لمعبوده :
- معذرة سيدتي، أردت رؤية النجوم التي تبدو أوضح فوق صخرتكم العظيمة، استخفتني نشوة الرؤيا، وعجبت للسماء عجباً سحر لي، فمضت بي نفسي إلى حديقتكم سهواً بات يقع من نفسي اليوم موقع الندم..
كانت جلسته المتضرعة بما انتشر على وجهه من حب الشباب وبما نزل به من الخوف مثيرة للرثاء، ورمقت تسنيم حزمة الأوراق التي كانت تحوي على حوارها مع إبراهيم (دون أن يتيح لها موقعها البعيد أن تستوضح ما فيها)، إذ هي تبدت لها لما فرغ الباب من شطر جسد رؤوف العلوي في خضم حركته الممسرحة فحصل أن كشف عما وراءه من محتويات الحجرة، وأصاب بكر ما يشبه الجمود، وقالت تسينم كأنما لم تلحظ شيئاً إذ استحوذت زخرفة الغزال لدى هامة الخزانة على جل انتباهها :
- فلتنهض، (ثم وهو يعود يقف فتقول..) اليمين لمن أنكر !
وقال مدفوعاً برغبة قوية بعد أن استوعب قصدها في خلال ثانية :
- أقسم لكِ أنني ما أردت بكِ أو بأهلك السوء..
وقالت تعطف على قوله تحذيراً منذراً :
- لا تكرر صنيعك ولا تعد تستجب لفضولك،.. وإلا عاملناك معاملة اللصوص المتسللين، وعاقبناك معاقبة الأشرار الأغيار، ثم أصابك ما هو حري بك أن تتقيه، وإني ليحزنني مثل هذا الأمر لو أنه وقع، ولتنشغل بما هو أولى بالانشغال به من الجد والاستذكار..
وشيعها وهو يسترد تواتر أنفاسه يقول :
- الحق معكِ، سيدتي، والخطأ كله أبوء به..
ومضت عنه وهي تهش الناموس ثم ترمي بالتحية على أهل البيوت الطينية الذين وقفوا لها، واستدارت إليه بعد مسافة سير فابتسم يزم على شفتيه - كمن ينوء بذنب بسيط ويظهر اللطف - ولكنها لم تبادله أدنى تجاوب، وعادت تمضي وسط نفر من الأنعام والحرث، فلما انتهت في محيط رؤيته وابتلعتها المسافة، عاد إلى أوراق الأمس، يلحقها بجواب آخر يرسله به إلى هدى، يكتبه على جناح العجلة.. يقول فيه :
"جدتي هدى.. تحية طيبة وبعد..