لم يعرف جفناها معنى النوم

      الفصل السابع عشر: لم يعرف جفناها معنى النوم





رضي عبد القدوس بزواجه بتفيدة وابتهج به كمن يشرب الشذى حتى يرتوي، أنقذته المرأة من شفير الرَّدَى والهلاك بيد محسنة وأعين عاطفات، وأخلصت للنعمة التي آلت إليها أشد ما يكون الإخلاص فحفظت له ماله وثروته، وتملصت من آفة العلاقات العابرة حين خلت دنياها من الحاجة فاستوت مهتدية المعنى والمغزى، فكان مما يُسعد الرجل أن يرقب رعشات جبينها الندي بالعرق وهي تأخذ تزيل الغبار بزعافة الريش عن هذا المخبوء من تقاطعات الحائط والسقف فيحدس بإخلاصها عزيز المثال له ولداره، ومن عجيب الأمر - ومن خيره أيضاً - كيف خملت رغبة الرجل في النساء مكتفياً بمن غدا سائراً في مجراها طائعاً متعبداً لا يخرج عليه ولا يخرج به، وحتى لقد ارتأى في تدينها المعتدل فضيلة ونبلاً فوق ما له في الحقيقة على فرط عبادته، لقد أعاد النظر في قضية المظهر دون أن يصارح نفسه كثيراً بالأمر الذي أربكه، إن كفة تفيدة بميزان الفضيلة لأرجح من كفته ولو كان حظها من التدين لا يزيد عن إقامة الصلوات والصوم، ولعله ساءل نفسه : أي الاثنين، نفسه أم هي، أقرب إلى جنة الإله ورضاه؟ فلم يتردد مرتين في تفضيلها على نفسه،.. وبخلاف خوفها الزائد من الحسد - وما فعلته يوماً من تلطيخ عتبة الفيلا بدم ديك أحمر على شكل "خميسة" ثم ما جلبته وتجلبه من الحيوانات المحنطة على مثال سمكة الأشواك والسلحفاة المحنطتين التي زينت بهما الردهة - فقد تأقلم الرجل على سائر خصالها التي كانت إلى الخدمة والطاعة أقرب، كان الرجل الذي أفاد من طوفان السوق الحر الذي ضرب البلاد في أعقاب حرب أكتوبر، وانتفع من هذا التحول الاقتصادي من الاشتراكية إلى ما يشبه الرأسمالية، محسوباً على ما قد عرف بملوك الانفتاح أو بالقطط السمان، كان المصطلح السياسي الذي يصف الطبقة المترفة والفاسدة والجشعة في المجتمع يستوعبه، ولكنه كان حيال الأمر خافت الضمير والوازع، فالثروة في عرفه هي نعمة الإله يهبها ويجعل بين الناس الدرجات، والوسيلة الشائنة موضوع عفو الإله الصفوح الرحيم.. وطرق بابه ذات يوم فانزعج إذ هو مقتنع بأن لا يطرق بابه إلا طالب أو ذو مصلحة، ولكنه - ولما كان حيال الامتناع عن الجواب الذي يعني إزعاجاً موصلاً عاجزاً - فقد فتح الباب الوصيد على رغمه، وهناك ألفى رفيقه القديم ذهباً رافلاً في أسمال رثة، تشيع فيه الخروقات، كان الزائر متأملاً في رأس التمساح المحنط لدى ناصية الباب فلما انفتح خفض كتفيه وأرخى رأسه كأنما انتقل من حال إلى حال، وقد أزرى بما أراده لنفسه من صورته الجديدة خاتم من العقيق نسي أن يتخلص منه، وسأله عبد القدوس :

- ماذا تريد؟

- إني جئت سائلاً، لقد قلبت لي الدنيا ظهر المجن.

وابتسم عبد القدوس من صورة الرجل الحقيقة بالشفقة لما أدرك ما فيها من استجداء لا يجيد التمثيل، فقال :

- أتراني قمقماً تفرك نحاسه الأحمر، يلبي لكَ ما أردت وما تريد؟ (وطافت رأسه يمنة ويسرة في تندر ثم أردف يقول..) لابد أنك تمزح !

- ....

وأوصد عبد القدوس الباب في وجه صاحبه القديم الذي أتاه متصنعاً التسول والحاجة، انزعج ذهب من تصرف الرجل الذي حل من نفسه محل الإهانة الجسيمة مثلما كان غضوباً دائماً من وجود تفيدة التي قطعت السبيل على ما قد أراده وتوقعه من سيناريو ينقلب فيه الحال، وارتقب يوماً تخلو فيه الفيلا البيضاء من سيدها فأعاد الكرة في صبح من الأصباح، هذه المرة في ثياب أفضل، وفتحت له تفيدة تقول وفي يدها زعافة الريش :

- إن سيدي لم يحضر بعد..

وقال وهو يرقب ما قد تغير من واقع الفيلا من تنظيم صارت معه الأعشاب أكثر اخضراراً، والأشياء ناصعة مرتبة، ثم بعد أن نشق رائحة الورد الذي ازدهر :

- لقد حضرتُ أطلب الحديث إليكَ..

وارتبكت المرأة التي لم تتوقع قط أن يجيئها من يقصدها لغرض، وكأنما كانت تعد نفسها دون الأمر دائماً، ودلف الرجل أمام حيرتها فكاد يغلق الباب ولكنها أشارت عليه تقول :

- فلتتركه..

وجلس على كرسي الحديقة فيما وقفت هي كأنما تأبت مطاوعته في أمر صوري، وإنها لإشارة - التقطها الرجل - إلى عدم ارتياحها من وجوده بالعموم، وقال دون كثير مماطلة :

- سيدتي، لن أطيل عليكَ، هل تدرين ما كان بين عبد القدوس وبين الخادمة الفيتنامية؟

ووهبته نظرة اهتمام لا إرادية نأت بها عن حال التجهم وعدم الارتياح، ثم جلست إلى جواره وقد أسلمت زعافة الريش إلى المقعد الخشبي على نحو يحفظ لها الاتزان، تقول :

- أجل، لقد خبرت من سيرة زوجي فصولاً من المجون أرجو الله أن يسامحه عليها، وقد تعثر بي في طريقه كي أرشده إلى نمط حياة راضية، لقد أحبني في بيئة متدنية رديئة، ولا ضير فالحب متى حل حضر معه نقاؤه..

وقال ذهب متصنعاً خيبة الظن كأنما يريد التعبير عما أفلت منها من استيعاب مغزى سؤاله :

- هل تدرين أن الرجل كان يقسرها (أي الخادمة) على ما لا تحب؟

وثارت بها الظنون فمالت إلى الغضب وعدم التصديق، سألته في شيء من استكبار :

- ولماذا تريد أن تقول بهذا، اليوم؟

وقال وهو ينهض عنها :

- إني أشفق عليك شفقتي على النساء جمعاوات في حضرته !

وقالت كأنما تشيعه :

- فلتحتفظ بما في نفسك لنفسك.

ورغم ما أبدته المرأة من قطوع الرأي أولاً فلم يغافلها الكرى من فرط التفكر في الأمر، كان حديث ذهب إليها من ذاك النوع الذي يكتسب الأصداء، وتُخلق بعده الافتراضات، ويطير به العقل كل مطار، وفي المساء حدس عبد القدوس بتقلبها إلى جواره على سريره، فقال :

- أحسبه (أي السرير) لرفاهيته واكتمال لوازمه مما لا ينزعج بسببه بدن..

وقالت تختلق عذراً تبرر به سهرها :

- إنها آفة الجسد إذا هو بض وطُوى واكتنز لحمه : يتعذر عليه كل نشاط وحتى الاسترخاء والنوم..

وقال وقد أنس إلى تفسيرها المباشر بعد أن وهب جسدها نظرة توافقت وحجتها :

- عليك بالحمية القاسية تخسرين معها هذا الزائد من وزنكِ..

وخالت أن بعلها قد نام بعد أن وهبها نصحيته عند ذاك الحد، ولكنه أتبع يقول بعد أن استوى على جانبه الأيسر :

- وإلا تكونين عرضة للعلل التي تستهدف الجسد السمين أكثر من غيره كالسكري وأدْوَاء القلب..

وقالت لما كثر عليها حديثه وتوجيهه :

- إنني أعد العمل المنزلي رياضة في ذاته، وسأضيف التمشية في الحديقة وفي غيرها..

ولم يعرف جفناها معنى الوسن وإن مكثت هذه المرة على حالها دون تقلب، وإنها لكذلك من التفكير المضني والاستماع إلى صوتها الداخلي الذي كان يشق عليها كل الشقاء كأنه ثرثار مزعج، حتى باغتته - لدى يقظته - تقول :

- هلا فصلت لي في شرح ما كان بينك وبين الخادمة الفيتنامية؟

وعجب لسؤالها ولكنه - ولما كان في اضطراب النوم - أجابها وهو يقول :

- ما بيني وبينها منسوب إلى ماضٍ تعرفيه وتخبريه جيداً، وما أبغض أن يسألني عنه اليوم مخلوق ! إن بيني وبينها حائط منيع من التوبة الصادقة..

اضغط على رابط الصفحة الرئيسة لمزيد من الموضوعات : روايات قصص


ولكنها أزادت تسأله في غير توفيق :

- هل أكرهتها على ما ليس لها طاقه به؟

والتفت إليها يقول :

- ومن ذا الذي وسوس في أذنيك بمثل هذا الحديث؟ (ثم مقترناً بزوال العجب في نفسه كأنما يجيب عن سؤاله حين يعالج ما قد نطق به) هل جاءك الملعون ذهب؟

وقالت كأنها ترفع عن نفسها شبهة في شيء من إباء :

- قال إنه صديقك..

وقال كأنما يستند إلى متكئ منطقي يسفه به الحقيقة التي تتماس معه بينما ينهض عنها :

- الأصدقاء لا يسممون سرائر أزواج بعضهن،.. أليس كذلك؟

وقالت كأنما تخرج من الدائرة التي يريد الرجل أن يأسرها فيها وهي تتابع حركته على سجادة الردهة الخضراء :

- لا تعنيني هويته، ويعنيني صدق مرويته..

وأجابها بين الزجر والنصح بحديث لا حديث بعده :

- فلتسمعي لي إذا أنتِ أردت ألا تُطردي بسبب من البطر أو سوء الأدب : ما كان بيني وبين الخادمة هو نفسه الذي كان بيني وبينك في عهد قد ولى وانقضى، إنه فصل من الحياة دفنته في أسحاق لا غور لها، وقد أهداني الله، والحمد له.

فلما تولت عنه المرأة عاد إلى حجرته التي نسى فيها سبحته العقيقية، وتأهب للوضوء يغمغم :"ها قد غدت الحياة شقاءً كاملاً، وحتى تفيدة تذيقني من عين الكأس، وأعدتها الحياة بما أعدت به الجميع..".

وفي عين الأثناء كان نعيم قد انتقل إلى الحياة في جنوة، يريد أن يضطلع بمهمة الأب الراحل في علاج الأسنان، لقد تأثر بالمعنى الذي يقول بأن أباه ما كان له أن يرضى بحزنه الطويل عليه بل أراده قوياً،.. ثم بمعنى آخر يزعم أن الرجال وحدهم يصنعون الظروف سيئها وفاضلها،.. فتملص متأثراً بالمعنيين من دوامات حزنه وكدره فكأن لهما في نفسه تأثير الترياق والسحر، ورأى في المنام طيف طه يهبه كرة من النور يقول له:

- إن هذا إلا سر يلف الدهور، يبارك سحر الهوى والحياة !

وعلى جهله بماهية "السر" على التحديد والوصف فقد انتعشت نفسه إثر ذاك بمداد من النور والأمل، كان مما يحفز النفس البشرية دائماً إبصارها لنور الإلهام ولو جهلت بماهيته وطبيعته، بل لعلها إن جسمته تجسيم العلم المبين، وفصلته تفصيل الإدراك والإلمام، فقدت الحافز في اقتفائه والسير ورائه، وتحجرت في موضعها تحجر الموت والحياد، ما سر الحياة إذاً وبهذا المفهوم إلا جهل مُلهِم.. وقد حدس نعيم لحداثته في مهنته بعجزه عن مجاراة أمهر الأطباء الإيطاليين الخُبَرَاءُ، فلما شقت حياة الأسرة هناك انتقلت إلى قرية مانارولا الجميلة في مقاطعة لاسبيتسيا ليغوريا شمال إيطاليا، ذات البيوت الملونة، وقطعت الأسرة مسافة سفر هي رابية على مائة كيلو متر، انتهت برؤية صيادي القرية الصغيرة، وعلى ما كان يشق على الشاب دائماً من النهوض بواجب الطب خلفاً لأبيه، فقد زاد من اهتمامه بولديه : عارف، وآمال يجد فيهما سلواه، وأما منير فقد كان كثير العزلة، مؤثر الابتعاد عن الأتراب والأقران، إنه ليس بالحيي الخجول وما هو بالاجتماعي الانبساطي، إنه بين بين، وقد احتفظ باللهجة النوبية الآيلة للانقراض وجهل بالإيطالية التي نزل بدولتها رفقة أسرته المصطنعة، وقضى يوماً من الألم اقترن بظهور ضرس العقل في فكه، وجاءه نعيم في أعقاب ذاك ببذلة البحار قصيرة الأكمام الشهيرة يريد أن يرطب من وحدته، وكان مما يؤنسه أن يقتحم عالمه الصغير، يسأله:

- ما بكِ؟

وأجاب الفتى ذو العينين النقيتين الذي اخشوشن صوته :

- أتفكر في وصية جدي، أرادني أن أعود إلى فيلا لوران، لا أن أقيم هنا بين البيوت الملونة..

وابتسم نعيم يقول متأثراً بما جد في حياته من إقامة راضية :

- ما أراد جدك أن يثقلك بما لا طاقة لكَ به، إنها وصية تؤديها بعد الشباب، هاك هذه..

وأعطاه نعيم بذلة البحار فرغب عنها يقول :

- لقد وعدته بأن أكون في مستوى تطلعه، صرت في عمر السابعة عشر ولازالت تعاملني كولد صغير؟ فلتمنحها لعارف إذ هو من الغيرة في نهاية..


واسترعى القول انتباه الأب فمضى صامتاً يجاري حديث نفسه الصامت، ثم وهب البيوت الملونة نظرة مستغرقة عبر نافذة نصف مفتوحة.