لا أجد ولا أرى غيره
الفصل الثالث: لا أجد ولا أرى غيره
قضت تسنيم أياماً عصيبة تسوس فيها الريف بعد أن غاب عنها بكر، بدا ثقل مسؤولية العمودية بادئ الأمر موزعاً بين ثلاث : اثنين من الرجال الثقات وهي، يتواترون على شغل الموقع، وسرعان ما استأثرت المرأة القوية بالمنصب مخافة المتربصين فلا عادت تقبل بالتناوب، ووقع ذات يوم أن جاء إلى مكتبها شحاذ يرجوها الحسنة، ولما كانت المرأة منكبة على ما هي فيه من مهمة الاطلاع على الشكايات فإنها أعرضت عنه، فما كان إلا أن أزاد الشحاذ بندائه الطالب وجهر به أكثر وأكثر، ونهضت إليه فألفته رافلاً في ثوب ريفي مهترئ يوشك - لرثاثته - أن يكون خرقة بالية، كان جسده ناحلاً هزيلاً - كفرخ حديث العمر في عش - حتى أنه بالكاد أمكنه أن يحفظ توازنه أمامها، وكان له سروال فضفاض وقميص قميء مهلهل، لم يحتج الرجل إذاً الذي كانت صورته تنطق بالعوز والحاجة أن ينبس بِبِنْت شَفَة، وقالت في شيء من الغضب المكبوح :
- أما تدري أني في هذا المكتب أقضي حوائج من هم مثلكِ؟
وقال الرجل وهو يحك شعره الأشعث كأنه أزهار اللاوندة في تلبده :
- ليس ثمة في أبي تيج من هم مثلي، ذلك أني أفقر الجميع..
ثم قهقه قهقهة قبيحة ضاقت بها المرأة وأفرغت ما بقى لها من صبر نحوه، فعادت إلى مكتبها وأغلقت الباب إزاءه في شكيمة، ثم استأنفت نشاطها، حتى غفت من فرط الإنهاك الذي ساورها من النهوض بمهام جمة صعبة يشق بها الرجال، وأيقظها غلام تبين أنه قد تسلل عبر فتحة الباب الضيقة التي كان قد استخدم بعض حواتية القرية العصا في حجز الباب الموصد لخلق منفذها، وهتف بها الغلام - أول ما ساور الشعور وعيها - يقول :
- لقد مات الشحاذ، سيدتي، لقد مات..
وخرجت المرأة فعبرت هذا الباب الذي فتحته مشدوهة بيدين واهنتين في سكرة الدهش، فألفت حشداً من الريفيين إزاء الشحاذ المائت يتلاسنون، ولعل عبارة تقول :"لقد تركته المرأة حتى مات ونامت هانئة الجفنين دون أن يرق لها فؤاد.."، وغير ذلك من نحوها قد بلغت أسماعها المشدوهة المنفعلة، وهبطت إلى الرجل فأمسكت رسغ يده حتى تبينت - بوعيها انقطاع نبض الشريان الكعبري بين عظم الرسغ والوتر - حقيقة ما سمعته من الغلام من أمر وفاته، وسكن جأشها تقول وهي تحاول أن تحفظ ماء وجهها :
- إني أوصي بأن يكرم أهلوه وأسرته، سنجد لهم أعمالاً لعلها سقاية العطاشى في بعض هاته الدور التي لم يصلها الماء بعد، أو إزالة ثمار اليقطين ونحوها في مزرعتي لقاء عطاء جزيل..
ولكن عباراتها طاشت في سحاب الفضاء لما كان الشحاذ في الحق بلا أهل معروفين، ولم يعد للقرية من حديث أسوغ من ذكر تسنيم وتصرفها الأجوف الأرعن المستكبر، حتى كاد - لولا الخوف من بطش المرأة - يُغنّى ذكره على ألحان الربابة، وصار الناس متهوكون في إخلاصها متحيرون بين مبايعتها وبين الخروج عليها، وسمعت أيضاً حين حضرت جنازة الشحاذ فتلفعت بالثوب الأسْوَد من يقول : "قتلته وسارت في جنازته.. ما كان يريد منها إلا ثوباً قَشِيباً.."، وحتى لقد قال شيخ القرية الأزهري - واسمه مأمون حمروش - لمن تحلقوا حوله في حلقات درسه الذي كان في الأساس يتعرض لموضوع متن السلم في علم المنطق للأخضري (السلم المنورق):
- بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أهل فارس قد ملكوا عليهم بنت كسرى، قال : لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة،.. هل نحفظ أحاديث النبي كي نتخذها للزينة أم كيما نعمل بها في الميدان العملي؟
كانت بدور تمر بجلسته التعليمية التي انحرفت عن مسارها، وسمعت من يقاطعه من الجلوس - واسمه عبد المجيد - فيقول كأنه يفصح عما في نفسه :
- هل تقصد أن أمرنا إلى خسران مادامت تسنيم عمدتنا؟
وأجابه حمروش :
- لا تقل حمروش قصد ولكن قل النبي أوصى..
ورفع صوته يريد أن يلفت الفتاة العابرة :
- ولكنها (أي تسنيم) زوج نوح، وسليلة بيت كريم الأصل نزيه الغرض!
- كان يجب أن ترى صورة الشحاذ المنطرح أمام مكتبها المنيف لكي تلوم نفسك ألف مرة حين تحسن الظن بها، إنها امرأة أقسى من الرجال فؤاداً، وقد تسللت كما يتسلل كل طالب للسلطة تحت ادعاء الضرورة، وحين تمضي سنتذكر أن غمة بحجم صخرة حوش بيتها قد انزاحت عن كاهلنا.. تملك رأساً عاطباً يا عبد المجيد.
أصلح حمروش من وضع العمامة وثبت بصره في الأرض، فمضى عبد المجيد يرقب حركة بدور التي ما لبثت أن مضت متأثرة بما سمعت حتى غابت بين الزرع، وحين انتهى الدرس وقف مدة لدى هذا الموقع الذي رآها فيه قبل أن تتوارى خافضاً رأسه حتى أشفت ذقنه على ملامسة عظمة الترقوة، كأنما يعتب على سلطة حمروش على تلامذته التي منعته من إقتفاء الأثر الجميل كأنه الخيال الشرود، وسمع صوتاً حمله على الظن أن ثمة من لا يزال ينتظر، كانت بدور تصور مشهد الصراع الريفي بنواة تمر وعنب ومناديل وأحجار، وشخصت أنصار تسنيم في عنب أحمر حلو، فيما مثلت أشياع رضوان في حجارة هي من تجمع الكسارة والفتات، وأما المناديل فبيوت هنا وهناك، ونَوَيات التمر تصطف كالجدران بين المعسكرين، وبدأت المعركة التي حرصت على أن تمكث على حال من التوازن الذي يؤول - بعد أن تبقى على بضع عنبات - إلى انتصار حزب أمها، وتركها عبد المجيد - الذي كان قد بلغ موضعها المتواري - فيما هي فيه حتى اقتحم خلوتها حين انتهاء المعركة الرمزية وسط الزرع، فقال :
- ما أجمل أن ينتصر الخير بعد ظلم ينزل بأصحابه !
وارتبكت لمحضره أولاً ولكنها لما كانت قد سمعت اعتراضه على شيخه فقد أكبرته، وحفظت له موقفه، قالت :
- ألفنا قبل اليوم أن يكون الحق مستضعفاً أو حتى مهاناً، وأما الساعة فمتهم وبوصلته لا تجد مرشداً.
وهبط إليها الشاب في أسف غير مفتعل (لأنه متعاطف معها حامل لهم أخلاقي) وغير صادق تماماً (لأن الأمر لا يعنيه في مباشرة ولا يمس مصير حياته أو حياة ذويه كالمتابع لسباق خيل دون أن يراهن على واحد)، فأعاد الاثنان الكرة بعد أن جاء عبد المجيد بالتوت بدلاً من العنب الذي تهالك بدوره وتضرر من "المعركة الأولى"، فتحقق النصر بأسهل وسيلة وأقل زمن - لما كان عبد المجيد ميالاً إلى إكرامها والتهوين عليها - ولكنها ما لبثت تقول :
- كأن اللعب قد فسد حين صار بلا مقاومة..
وابتسم يقول لها :
- ولأجل ذاك فالخير والشر وعاءان للمعاني، وإذا عدم النقيض فُقد الأصل..
ونهض عنها كأنه تذكر كيف حط من صورته الشابة حين تورط في الخوض في أفاعيل الأطفال، فيما سألته :
- ولماذا يكره شيخك (حمروش) أمي (تسنيم)؟
وأجابها وهو ينفض عن جسده التراب :
- إنه يقبل بهبات يمنحها له رضوان بين حين وحين، يقول رضوان له : خذ هذه لأجل فقراء الأزهر والمسلمين، ويبقي الرجل على عطايا الآخر ومنائحه في جوفه، يعي رضوان احتيال حمروش ولكنه يعيد الكرة لأن الرجل يُجيّش الشعور بالقرية في صالحه محتمياً بالجبة والقطفان.
اضغط على رابط الصفحة الرئيسة لمزيد من الموضوعات : روايات قصص
- كان يجب أن يبقى بكر كيما يساهم في إرجاح كفتنا، بهرته أضواء المدينة، وأحلام الشهرة، والثراء السريع !
وأزعجه أن تَذكُر شاباً آخر في حضوره ولو كان أخوها،.. عمل رضوان بجد كيما يستغل حادثة الشحاذ في الإزراء بصورة تسنيم وتلويثها بالمبالغة، وفي ليلة من ليالي أبي تيج الكالحة جمع عدداً لا بأس به من الريفيين وحملهم على أن يحملوا الشموع يطوفون بها الأسبلة النائمة، أدلج القومُ إذاً، وطفقوا يوقظون أولاء الغافلين من موتتهم الصغرى كي يذكروهم بالموتى الكبرى التي تنتظرهم تحت سلطة المرأة المتعجرفة ورائحة الهلاك الأبيد التي باتت تفوح عكارتها بوصفه، وقال أيضاً، صائحاً :"من العار أن يسلم رجالات أبي تيج قيادهم إلى ربات الحجال.."، دعا حمروش تلامذته إلى الحضور في المظاهرة الليلية، وجعل يتقدم السائرين يهتف - كمثل كعقعقات الرعود - بالنيام أن تجمعوا وثوروا، وحمل ثياب الشحاذ الرثة - سرواله الفضفاف وقميصه المهلهل - فوق كتفيه يمضي بها، ومضى عبد المجيد مع السائرين من تلامذته - دون قناعة حقيقية - إلى سور البيت الكبير حيث تقطن تسنيم، وأفزعه أن يسمع حمروش يهتف بمن معه لدى وصوله إلى هناك:
- هناك ترقد الحية الرقطاء (يريد تسنيم) وراء الأسوار ! طوبى لمن قتلها وقتلته !
وتسرب عبد المجيد من فوره فاصطفى لنفسه مساراً مغايراً عن أترابه، وتسلق السور مستبقاً الجموع الغاضبة إلى حيث جعل يطرق على باب الدار الخشبية في شدة، وجعل - لما استيأس الجواب العجول - يسارع إلى اقتحام الدار محاولاً أن يزيل هذا الحائل مستخدماً جذع شجرة مبتورة كانت قرب صخرة الحوش، وطفقت جماعة حمروش هي الأخرى تدفع باب السور بعزم جماعي أشفى على النجاح تحت قمر مكفهر، هناك تحير عبد المجيد بين أن يتستر من القادمين المهاجمين وبين أن يواصل محاولاته العاجزة، ولكنه سمع صوتاً ألهمه الصبر من وراء الحاجز يقول في رقة :
- من هناك؟!
وحدس عبد المجيد بأنه صوت بدور، فقال في عجلة ولهفة :
- إني عبد المجيد، فليهرب من في الدار، دهماء أبي تيج وتلامذة حمروش على الأبواب يتحينون الانقضاض على من فيه، والجريمة أدنى إلى الوقوع مني إليكِ، والساعة أشْأم من البَسُوس!
وفزعت بدور من فورها فجعلت تروح توقظ من في الدار : تسنيم وإبراهيم، ولم تقطع ذهابها حتى أوصلته برجوعها إلى الشاب المنتظر فلما أفلحت جماعة حمروش في اقتحام السور كان الأربعة المستهدفون قد فروا عبر باب خلفي، واقتحم الغاضبون بيتاً كبيراً بلا قاطنين، وخلع حمروش عمامته في غضب كظيم فأسلمها إلى أرض الحوش وسط شموع تلامذته التي انطفأت،.. مرت الليلة بسلام إذاً، وحفظت بدور جميل عبد المجيد حتى أنها قد رأته في منامها في رؤية رائعة تحيط بهما الفراشات الذهبية قرب شجرة كازورينا، وكان أن مد لها يده فقفز بها إلى أن بلغت فراشة ذهبية لدى غصن من زمرد وقع أن حرضها في المنام على أن تمسها دون خوف،.. وتشاورت بدور مع تسنيم تقول فيما يشبه انتهاء الصبر :
- لابد من رجل مخلص ذي بأس يحميك ويحمينا..
وتساءلت تسنيم :
- ماذا عن إبراهيم؟
- قلت رجلاً مخلصاً، أو قميناً بالثقة.
وقالت تسنيم في رجاء عاطفي :
- سأرسل إلى بكر في طلبه وعودته إذاً، وسألحق رسالتي بما استجد وطرأ، ولا ريب أن عزمه على الغربة سيلين حين يأخذ يلم بما وقع لنا.
وتدانت إليها بدور تزجي الخطى، وكانت هذه أولى المرات التي تبدي فيها الفتاة رأياً مستقلاً عن الأم وقد رأتها تطحن الهواء عبثاً :
- فلتسمعي لي قبل أن يدركنا الهلاك، وقد رأينا شفيره بالأمس رأي عين، لقد اختار بكر حياته في الإسكندرية التي سحرت له كما سحرت لغيره، قال رضوان عنه يوماً : إنه آثر حياتها على حياتنا، وقد صدق في هذا وهو الكذوب، إن مخاطبة بكر اليوم كمراسلة من لا يكترث ولا يهتم، حديث إلى أصم، أو إشارة إلى بصير، البحر قبل النهر، والحضر قبل الريف، هكذا هو يرى الأمر، واليأس من عونه عين الحكمة..
وقاطعتها الأم تقول وكانت تحب أن تعلي من شأن نجلها على تخاذله فلا ينقطع لها رجاء نحوه :
- أنسيتِ حين أنقذنا يوم الجدب بحصانه المحجل؟
وقالت بدور :
- بل أنقذنا المطر الهاطل الذي اقترن بمحضره يومذاك، إنه إن جاء ونصرنا في يوم تركنا في مرات.. (ثم في عزم جديد) سيتعين علينا ومنذ اليوم أن يكون لنا حارس وديدبان، بل حراس كُثُر، وفي رأسهم من نثق به !
وسألتها تسنيم :
- ومن ترينه الأصلح للاضطلاع بهذا إذاً؟
وثبتت بدور نظرها في الأرض، ثم وهبتها نظرة هادئة تقول :