في مقابر الجالية اليونانية
الفصل الرابع عشر: في مقابر الجالية اليونانية
دفن نعيم أباه طه في مقابر الجالية اليونانية الرخامية بين تماثيل الملائكة بمنطقة الشاطبي تنفيذاً لوصيته، كانت شواهد الموت هناك تنطق بهاءً ورونقاً، وقال نعيم لزوجه مريم التي كانت قد طفقت تواسيه في تأثر كظيم :
- لقد عدَّ أبي نفسه واحداً من الجالية التي عاشت في المدينة منذ العام 1843م، فشيدوا فيها المصانع واحترفوا التجارة،.. (ثم في مزيد من التأثر) أعد لهذا اليوم عدته، كان مما وصاني به على فراش الموت قوله : إنها (أي المقابر اليونانية) كمعابد أثينا وقصور الإيطاليين وحدائق الفرنسيين، وإني لن أجد خيراً منها مثوى لي..
كان على باب رفات الحسناء ابنة تاجر الخشب «زورفاداكي» رسم لملاك - كأنما جُعل لحراستها - وهو يضع إصبعه على شفتيه، يدعو زائريها لالتزام الصمت، وصمت نعيم في أسى وشيء من العمل بالمثل المأثور : «الصمت في حرم الجمال جمال»، وقالت له المرأة :
- إذا أنت حذوت حذوه في الفهم السليم للأمور تكون أحييت سيرته!
وقال متأثراً بتمثال السيدة العذارء الرخامي :
- آمل أن أوفق إلى شيء من هذا،.. كان يحمل رؤية غير متفائلة للبلاد في أواخر أيامه.
وقالت كأنما تشد من أزره :
- لا تأخذ توقعاته كيقين ناجز، ولكن ضعها في الحسبان.
وصمت الرجل ولكنه كان قد انطوى على جمرة، بدا حضوره في المقابر الجميلة كالرماد يخفيها ولا يطفئها، تذكر الشاب شيئاً من الشعر الحر كان قد قرأه في مراهقته بمجلة الآداب قبل عقد ونصف يقول :
باهتة حقول اللون..
والأشياء جامدة القوالب..
هشة..
لا شيء إلا الموت والضجر الكبير..
ولكن ذاكرته لم تسعفه أن يتذكر المزيد من مؤلف أو عنوان القصيدة، مثلما لم تعينه طاقته على النطق بما كان يجول في خاطره على مشهد من رسم الملاك ذي الأصبع الموضوع على الشفتين، وفي معية الثاوين في القبور، وساد صمت استروح الاثنان فيه إلى وجودهما في هذا «المتحف المفتوح»، يتلوان للمائت الأدعية في مقابر «السبع ملل» مثلما كانت تسمى (لاحتوائها على مدافن الطائفة الكاثوليكية المنتمية للفاتيكان، ومقابر اليونان الأرثوذكس، واللاتين، والروم الكاثوليك، واليهود، بخلاف المسيحيين المصريين)، ثم وقع أن نهض نعيم بغتة يقول:
- لن أحتمل المزيد..
وسألته :
- إلى أين؟
- إلى لوران، نسترق السمع والبصر عبر كوة جدار الفيلا، مثلما كنا نفعل قبل الزواج، قلبي يحدثني بأن ثمة أمراً يجهَّز على نار هادئة !
وإن هي إلا مدة الانتقال من الشاطبي إلى لوران حتى صار اثناهما لدى الموضع الموصوف، ووقفا مدة دون أن يسمعا مهماً أو تافهاً، فقالت المرأة غاضبة :
- لم تعد لنا رفاهية الوقت مثلما كان الماضي، اليوم صرنا مسؤولين، إنني لا أؤمن بالاقترانات القدرية.
ولكنها حين صمتت سمعت عبد القدوس يقول هاتفاً بذهب كأنما يرمي الرجل الذي ينصرف عنه بحديث زجر :
- طردتَ الخادمة الفيتنامية دون أذن مني؟ الويل لغرور صور لكَ أن تكون نداً لي في مملكتي ! لماذا تريد أن تكتب عليَّ البؤس؟
وأجاب ذهب بما يجنبه القطيعة الكاملة كمن يلصق خرقة جديدة يجدد بها ثوب عتيق :
- إنك من السعة حتى أن بمقدورك أن تلبي داع رغبتك دون أن تضر بإنسان.
- كيف وأنا أرفض الزواج؟ هل أصير من الحمق إلى حد أن أضيف مشاركاً جديداً للثروة بعدك؟ ثم أين الجاريات اليوم وملكات اليمين؟
- لم أقصد الحلال..
- تروج للحرام من نوع خاص إذاً؟ مرة أخرى تحدد لي ما أفعله وما لا أفعله،.. هل اخترعت ديناً جديداً؟
وقال ذهب ينهي الواهن من علاقته بالرجل كالمرء يهصر غصناً ذابلاً بيده :
- إن أنت إلا مَنْهوم مريض بسعار الشهوة،.. سأتركك وأمضي مرتاح الضمير..
- فلتذهب غير مأسوف عليكَ، ما أنتَ إلا نكرة، وليسوقك غضبك إلى جوف الحضيض الأبدي،.. إذا أردت أن تعرف عند الله مقامك فانظر فيما أقامك : تاجر عملة.
وأجابه ذهب كأنه يتورط في مغالطة التوسل بالنفاق :
- وكأنك تمتهن حرفة الأنبياء، أتضرب بيتي بالحجارة يا ذا البيت الزجاجي؟ حقاً : رَمَتْنِي بِدَائِها وانْسَلَّتْ، كنا شريكين شراكة البنصر والوسطى في اليد الواحدة..
وكان أن انفتح الباب ثم أُغلق في شدة مقصودة - أريد بها إبداء الامتعاض من جانب ذهب إزاء خصيمه - أثارت عفارة التراب في حنايا الأجواء المجابهة للفيلا البيضاء، ثم رمق ذهب ما تركه وراءه فقال يقصد عبد القدوس :
- ستعود إلى الصفر أسرع مما تظن، وحينئذٍ تطرق بابي كالمطية الذلول.
وترك نعيم ومريم موضعهما فجلسا على كرسي خشبي لدى هذا الطوار، كان قد جُعل لانتظار وسيلة النقل، واستترا بعجوز كان يقرأ جريدة، وشاب ذا شعر أشقر، استترا عن الخارج الغاضب الذي لم يلحظ وجود أي منهما.
قضى عبد القدوس لياليه المنفردة في لوران في عربدة مقتبسة من صنائع هارون الرشيد في سراي الدولة العباسية، أو احتفالات سكر المتوكل، انفلت الحبل المكظوم، وثارت الرغائب كسهم يمسك ثم يترك، كان مما يروق للرجل أن يمتهن نفسه بين الغواني في خضم الثمول التام الذي يشل جوارحه، وأسرف في شراء ملاعق الذهب وأوانٍ الفضة فعد كل أولئك من النعمة التي يحسن الجهر بها، ثم اقتنى قفطاناً من الكتان، وسبحةً من العقيق، وسواكاً هو من عيدان الأراك الأخضر، وآثر البكر من النساء على الثَيِّبِ منهن، وألهاه اللهاث خلف الإناث.. وانتقلت الأخبار - كرائحة السمك الفاسد - إلى نعيم الذي غضب بأن تلوث دار تركها، ولكنه - ولما كان حيال الأمر عاجزاً - انصرف عنها إلى التفكر في السفر إلى جنوة، ثم العمل في عيادة أبيه الراحل، وأما ذهب فقد كان على حظ من المكر الذي جعله يرتأي الانتظار والتمهل كذئب يرقب نهاية غزال كسير فيؤجل انقضاضه عليه على نحو يجنبه جهد مواجهة، معتقداً بأن إدارة عبد القدوس المزرية للثروة ستسوقه - عند لحظة ما - إلى الاستعانة بـ"رفيقه القديم"، وأن عودة الوعي إليه ستكون مقترنة باقترابه المحتوم من شفير الإفلاس الهار،.. كان مما يطمئن النساء إلى عبد القدوس ويجذبهم إليه - بعد ثروته - سمته الديني الزائف، ومضى الرجل يحلل ما يدور في فيلته فيضعه تارة في خانة الحلال من ملك اليمين، ثم تارة ولما شق عليه ضميره : في خانة الزواج الشبيه بالفسوق المقنع، فيحصل أن يتزوج بثلاثة ثم يتناوب على تغيير هاته الرابعة، وعرف الرجل بامرأة اسمها تفيدة، فكانت أخلص من خالطهم من علاقاته العابرة، حتى أن الرجل ود أن يكون قد عرفها سلفاً لتصير واحدة من "ثلاث لا يبدلن"، وصارحته يوماً بما كان في وسعها أن تفيد منه :
- إن النساء يأتون إليكَ كي ينهبوك في غفلتك ! ألا سحقاً لنفسك الساذجة !
فجعل يقول لها :
- إني أسامحهن،.. ولكن هل تعتقدين بأن الله سيغفر لي كل هذا الوزر؟
وقالت وهي ترمق ما قد ذبل من عشب الحديقة لإهمال الرجل له، ثم وهي تطلع إلى ذقنه الكثيف :
- إنكَ أعلم مني بأحكامه..
- أعلم أنني على فداحة ما قد أتيته لم اقترف واحداً من الموبقات السبعة، ولأجل ذاك فحظي من التوبة هو خير من غيري.
وقالت في شيء من تطلع وخشية :
- فلتطلق البقية الزائفة من نسائك، إنهن كالبراغيث يسلبنك الثروة والصحة،.. وهناك أحفظ لكَ نفسك وأكون وصية على مالك..
وتزوج عبد القدوس بأصدق عشيقاته (تفيدة) التي انفردت بزواجها بالرجل بعد طلاقه من أزواجه الثلاث وجعلت تنظم له دنياه، وتصرفه عن حياته النزوية، ثم تظهره على الحقيقة التي تقول بأن ضبط الغرائز هو جذر الأخلاقية، وكان مما أوعزت به إليه أن يُكثر من الحيوانات المحنطة التي - بزعمها - تطرد وتبطل الحسد، فعلق الرجل - المنساق إلى تلبية نصائحها - رأس تمساح محنط فوق باب فيلته !
أمكن لهاته النسخة المتدينة من تهاني، المتأثرة - إلى ذاك - بطريقة الشيخ الشعراوي الريفية في الإقناع البسيط والسرد الدافئ كالجد أو الجدة - أن تقنع أميرة بخيرية زوجها وسلامة مقاصده، وأن تنزه قراره بالزواج بها عن المصلحة أو الخيانة، ولكن أميرة - ولما كانت سريعة الاقتناع سريعة التبدل والميلان - احتفظت في صدرها بهذه النقطة السوداء دائماً، كانت كثيراً ما تزور قبر أباظة ذا الحناء والرياحين صحبة صواني من البط أو اللحم، توزعها عمن باتوا يسرعون إليها لدى مقدمها لوقوع الإشراط الكلاسيكي/ البافلوفي من أهل القرافة، وكان كل ذلك مما يزعج مراد حقاً، فعلاوة على شعوره بأن امرأته تعيش في ماضيها أكثر مما يجب، فقد بدت زيارتها لمقابر السواري خسارة مادية دورية جسيمة له، كانت المرأة - إلى ذاك - شحيحة في إبداء الحب له، حتى قال لها الرجل يوماً :
- على هذا المنوال سنقضي حياتنا بلا أبناء !
وقالت في استهانة أزعجته :
- وما الضير؟ إن لديك من البنين اثنين (رؤوف وفردوس)، لم يكن أباظة كثير التذمر من ذاك الأمر.
وتوقع جواباً مماثلاً، وباح لها بما في خاطره :
- ألا تلاحظين حين تزورين القرافة في أيام الخميس أن صاحبكِ قد مات، وأن استحضاره في كل حوار عبث؟
وقالت :
- أعرف الأولى، وأخالفك في الثانية..
وانتقل إلى سخط عام، فقال :
- أنت سريعة إلى إبداء البطر رغم ما يحيطك واقعاً من نعم جمة، كمن يقضي الليالي متأففاً من نور القمر!
وذكر شيئاً عن عمى التكيف الذي أصابها وألحق حديثه بالقول : "كثرة القرب تولد الازدراء، وكثرة المِساس تُذهب الإحساس.."، وقالت كالتي ناءت بجرح طفيف :
- فلتصفني بما تريد، إذا هو (الوصف) يعبر عنكَ لا عنيِ.
وانجرفت رعايته عنها فاقتنى ببغاءً جديداً محجلاً ابتاعه من حانوت ثري بالأقفاص من سوق الجمعة (ألح البائع عليه أن يقتني مالك الحزين كيما يتخلص من طيره الذي لا طلب عليه، ولكن مراداً نبذ الفكرة لبحثه عن مخلوق يجي له بالسرور الذي يفتقده فجعل يقول : يطأطأ رأسه (أي طائر البلشون) فيبددو حين تجف مستنقعاته كأنه يبكى أطلال بيئته كالبشر..)، وكان قد ورث الخبرة من تجربته السابقة المؤسفة التي انتهت بوفاة ببغائه الكوكاتيل، فصار زيت البطم/الفستق البري مما يحتفظ به في نمليّة مطبخه، وحين أصيب طائره الجديد بحمى الببغاوات انتابه الروع، وخلص إلى أن يذهب به إلى هدى التي كانت قد تعلمت بدورها أفانين التعامل مع الطيور حين اضطرت بعد وفاة أختها صابرين أن تؤدي الدور عينه من إطعامهم ورعايتهم، وقال :
- الطبيب حدد لي حالته : داء الحمى، وعلاجه : العلاج بالمضادات الحيوية الدوكسيسيكلي، ولكن الطير يتأبى العلاج الذي يفيده !
فما كان من المرأة إلا أن منحته قطرات فموية تحسن بعدها من علته، ورضي مراد عن المرأة (هدى) التي كان يراها باباً للمشكلات لأول مرة، الأمر الذي أغراه بسؤالها :
- معذرة، سيدتي،.. ما مفتاح ابنتك؟
وكانت تطعم الحمائم على شباك من الأرابيسك، فانتظرت ريثما انتهى آخر طالب منهم، وقالت :
- الحب في معجم ابنتي مضاهٍ للأمان بأنواعه : المادي والنفسي،.. إلخ، والمرأة تتغذى على الاهتمام كما تعتمد نفسية الرجل على التقدير،.. ألا تقوم بما يسعدها؟
وطأطأ رأسه يقول :
- إنني أبذل وسعي، ظننت أن حياتنا ستُقتبس من النعيم الخالص، كان هذا وعد العرافة الذي تحقق.
وقالت هدى :
- العمل يغير القدر، إذا أنت لم تؤمن بهذا فالبديل هو الحتمية، لن نكون حينئذٍ سوى مخلوقات مسيرة تعسة.
وقال :
- إن هذا حديث جميل، وليت أن كل حديث جميل حقيقي.