الحياة في حي وادي القمر

          الفصل الثاني والعشرون: الحياة في حي وادي القمر





قضت غادة أشهراً في حي وادي القمر بعيداً من أمها فيفيان، حرص فؤاد على إبلاغ الأم بحقيقة سلامة ابنتها عبر وسيط - هو صديقه القبطي ميلاد - دون أن يبلغها (الوسيط) بالموقع التي هي فيه، وأتم الشاب نعمته على الفتاة يروح يرسل إليها بثلث ما صار يجنيه من دخل في الكويت فيما يخص أهليه بالثلثين الآخرين، كان للحي الضخم (وادي القمر) ضياء حليبي رائق يظلل أطفال المنطقة الذين كانت غادة كثيرة الاستغراق في أحوال معاشهم، أوتي الحي ذات يوم جمالاً خلاباً وسمعت الفتاة عشرات القصص عن ماضيه الرائع الأثيل : من ذلك أنه في ليالي اكتمال القمر، كانت البحيرات المالحة (الملاّحات) تعكس صورة القمر وضوءه ليولد على الماء عشرات الأقمار، ويمر هواء البحر المتوسط النقي المتجدد فوق الملاحات التي تقوم بدورها بتصفيته وترشيحه، ولكن ما بقى من كل ذاك هو أثر بعد عين، واسم ليس للحي منه نصيب، فمع مرور حركة كبيرة لرؤوس الأموال والبشر والمعدات عَبْرُه فالمكان متصف بفقر المعمار موسوم بسوء التنظيم والتخطيط، إضافة إلى بنية تحتية رثة، غصت الفتاة إذاً بإقامتها الوحيدة في وادي القمر فجعلت تستمزج فؤاداً الرأي في شأن العودة إلى بيت الأم، واستوحش فؤاد قولتها يقول :

- تعودين إلى ما قد فررت منه؟

وقالت :

- سينفجر رأسي إذا لم يجد جديد، أشعر أننا في حيز صناعي، صدري ما عاد يطيق عوادم مصنع الإسمنت..

وكانت تقصد مصنع إسمنت بورتلاند الذي يقع قبل مساكن أهل المنطقة شمالاً، فقال :

- وماذا عن الأصدقاء الجدد؟ عرفت عنك أنك صاحبة لسان مسترسل لبق.

وقالت دون أن يترك الثناء في نفسها أيما أثر :

- لدي صديقتان يكبرانني عمراً، الأولى أصيبت بأمراض صدرية مزمنة، والثانية نال منها التحجر الرئوي نتيجة استنشاق مادة «البايباس» الناجمة عن صناعة الإسمنت هنا، وقد اعتزلنني واعتزلتهما..

وقال لها كأنما يقبض على ملمح طبيعي وسط المحنة الصناعية التي تصف معالمها :

- يفصلنا عن البحر بضع كليو مترات إلى الشمال..

وقالت :

- لا يزيدني البحر إلا وحشة، احتاج إلى البشر..

وأوحت له عبارتها بأن يحمل صديقه القبطي ميلاداً طلباً هو الزواج بغادة في لقائه الجديد بالأم، ووقع ما أراد له فنظرت فيفيان إلى رسول الفتى الذي اعترضها في سبيلها نظرة الابتئاس والشزر تجيبه :

- بحق المسيح، هل أسلم ابنتي إلى من أغراها بعصيان على حساب تقوى هي أمل في أبدية؟ (ثم وهي تستحضر شيئاً من أقول المسيح عيسى("من ثمارهم تعرفونهم، هل يجتنون من الشوك عنباً، أو من الحسك تيناً؟" (مت 7: 16)

وأجابها رسولها بجواب هو صدى لما لقنه فؤاد :

- لماذا لا تهبيه محاولة أخرى؟ إنني ما رأيت على هذه الغبراء نسمة أكرم منه.

ومرت جنازة عبد الغني التي بدأ مسيرها من مسجد العمري حافلة بالمشيعين، وعلا هتاف يشد من أزر هدى لرجل مجهول له شاربين وسالفين وخط شعرهما الشيب يقول قولاً يحمل مستمعيه على الخوف لجهارته وشدته :"لله ما أعطى ولله ما أخذ، وكل شيء عنده بأجل، فاصبر واحتسب، أغسلوه بماء الزهر، وكفنوه، وأودعوا معه في مدفنه قدراً من العسل وزرعاً طيباً يانعاً.."، كانت الجنازة تختفي شيئاً فشيئاً قاصدة إلى مقابر السواري بشارع الرحمة، ودعت فيفيان للميت الذي لا تعرفه دون أن تعي أنه والد الفتى الذي خطف منها ابنتها لأشهر، وكانت تلك تشاركية شعبية مدهشة يحفظها أهل الحي لسيرة الموت وجلاله، ثم انتظرت (فيفيان) حتى انتهت الجمهرة المنتحبة من عبورها الذي حمل أصحاب الحوانيت على إدخال حوائجهم إلى الداخل، وإماطتها عن السبيل،.. تقول وهي تمضي في الطريق الذي قد فرغ :

- فلتبلغه برفضي لما جئت به يا ضعيف الفهم.

ثم توقفت المرأة بغتة لدى المنتصف من سيرها كأنما برق في خاطرها حل أنجع تقول :

- أو فلتخبرني بموقع صاحبك لقاء قطعة من عنبر!

وكشفت له عن القطعة العنبرية الثالثة فأغراه البريق ووشى بما لديه، كان فؤاد مشاركاً في جنازة أبيه عبد الغني يرقب تصرف رسوله فلما أبصر المرأة تدس قطعة العنبر في جيبه فزع وجفل، وتمكن منه شيطان الغضب إزاء من اختانه وأخذ يغمغم :"بعت الصداقة بقطعة من عنبر؟!" ولكنه تولى عنه لحاجته إلى الوقت، وعاد إلى وادي القمر تاركاً الجنازة - وقد أثار ذاك حفيظة المشيعين حتى نطق بعضهم في تندر يقول : أن الرجل (أي عبد الغني) لم يكن من خير في أهله حد أن يترك ابنه جنازته - واستقبلته غادة في وادي القمر بقلب يرتقب البشرى تسأله :

- هل قبلت أمي بما لديك؟

وأجابها وهو يجمع حوائجه من البيت وينصحها بالمثل دون أن يسكن جأشه :

- بل وقع ما هو شر من ذاك !

اضغط على رابط الصفحة الرئيسة لمزيد من الموضوعات : روايات قصص


في المعمورة.. 1980م

أنجبت نور ولداً سر به قلب عز وأزاح عن فؤاده ثقلاً كالصخرة العظيمة، حار الأبوان أول الأمر في تسميته، كانت أسماء كعادل وسامي وعصام ومحسن الأكثر شهرة بين شباب السبعينييات، وحين كر الزمان وجاء العقد الجديد (الثمانييات) صارت نور ميالة إلى الجديد من الأسماء الشبابية على منوال هشام ونبيل وسمير، وقالت تتفقد وجه الوليد البريء :

- سنسميه بنبيل..

بدت الأم على حال من الافتتان بالمولود الجديد (نبيل) الذي جاءها بعد انتظار أشفى على اليأس، فبهرت به كما يبهر الأعمى بضياء يبصره أول مرة، إنها تهدهده وتلاغيه وتداعبه في سريره الخزفي الصغير، لا تهدأ لها قريحة، ولا يكف لها لسان،.. وكان من عوارض هذا الافتتان أن نسيت المرأة بكراً حتى أن عزاً صار يفوقها من جهة الاهتمام بالشاب الصعيدي المغترب وانقلبت بينهما الأدوار، ولكن اهتمام عز ببكر - الذي كان بحكم الطبائع محدوداً - وضح أنه دون المطلوب الذي يفي بتطلع بكر الجديد إلى الاستقرار وإقامة الأسرة، وقال بكر لفردوس بعد أن فصل في شرح ما يمر به في فورة من الاسترسال العاطفي :

- ما باليد حيلة، سأعود إلى العمل في كازينو الشاطبي..

واستوحشت الفتاة اقتراحه فقالت :

- لماذا لا تصارحها المرأة (أي نور) بحاجتك؟ ألم يقولوا بأن صاحب الحاجة أعمى لا يعرف إلا قضاءها؟

- إني عظيم الخجل..

- تخجل من الطلب الحلال ولا تخجل من الإثم؟

- أي إثم تقصدين؟ إننا نُسعد الناس بالكازينو لا أقل ولا أكثر.

- إن صوتك خشن لا يناسب غناءً ولا تطريباً، إنك أعرف مني به، لماذا لا تطلب من تسنيم ما يكفيك السؤال؟

- إنها منشغلة في أمور الصراع البائس حول رئاسة الريف، وقد انقطعت رسائلها - لأجل ذاك - لأشهر، لا زلت أذكر آخر ما بعثت به إليَّ حين جعلت تفصل لي في أمور غير ذات بال حتى أنها وصفت حماراً أبيض وثير البرذعة اشترته في نصف صفحة كاملة، وقد توهمتْ أن في هذا ما قد يعيد شغفي بالعودة والاستقرار هناك..

وأوحت لها عبارته بالقول :

- فلتعد إذاً إلى أبي تيج تسألها حاجتك دون رسائل أو رسول..

وقال :

- أخشى أنني إن عدت ألا تأذن لي بانصرف آخر، أحسب أنها إنما تشح عليَّ بالمال كي تحبب إليَّ العودة !

وقد استحال كازينو الشاطبي مع بداية الثمانييات إلى قاعة أفراح وقبلة للطبقات الشعبية، كان هذا آخر الأطورا التي مر بها، استأنف بكر العمل به إذاً على صورته الجديدة حولاً من الزمن، حتى حدث أن جاء إلى ثروت الخرباوي يشتكي له من سوء استقبال الجمهور له، وأجابه الآخر :

- لا بأس، لقد غني عبد الحليم حافظ هنا (أي في كازينو الشاطبي) أغنيته المعروفة : صافيني مرة، فما كان جواب أهل الإسكندرية إلا أن هاجموه مطالبين إياه أن يغني لوناً آخر من الغناء على مثال أغنيات عبد الوهاب ذات الطابع المتمهل الرخيم !

وقال :

- لا أجيد غناء أي اللونين، في الحق فأنا لا أجيد الغناء !

- لماذا لا تقلد عمر الجيزاوي؟ كانت فقرته الصعيدية في كازينو سبورتينغ تحظى بحفاوة أشبه بما يلقاه مايكل جاكسون عالمياً، اليوم.

-...

وضحك الخرباوي وحيداً لمقارنة عجيبة أوردها ثم صفَّر محاكياً لحناً هو من أغنية نجم البوب العالمي (مايكل جاكسون) الأخيرة off the wall قبل أن يملأ فيه بالسيجار الكوبي فيكف، خرج بكر من الباب في ضيعة من اليأس ومضى على مبعدة أمتار من الكازينو إلى البحر، كان هواء البحر يأتيه حاراً ثم رطباً على التواتر، وأمسك في يمناه بقنينة من خمر وقربها من فيه ثم زهد فيها وسكبها في هذا البحر الذي استأنف حركته، وخيل إليه أن ثمولاً قد أصاب الموجات المسترسلة كأنها الأغصان الناعمة المئيدة تتجاوب مع النسائم فابتسم، وارتعش جسده لشدة البرودة، وأضيأت أضواء أعمدة الإنارة فاستدار عن البحر إلى العمران وهناك ألفى عجوزاً تنتظره، وابتسمت له تقول :

- لقد كان عرضاً رائعاً آسراً..

أضعف اليأس مقاومته وهبط بها إلى الانقياد، صحبته العجوز إلى بيتها تسبقه بخطوات وئيدة، كانت تبدو ثرية وخلافاً للجمهور الشعبي العادي الذي دأب على التسفيه من صوته فقد وصفت عرضه بالرائع الآسر، جلله وازع الضمير على أعتاب بيتها بجليم، تذكر فردوس وآداباً تعلمها من نوح هي مقومات السلوك يحدد بها بوصلة الأخلاق، أجل، ولكنه غدا يحدث نفسه : إنه يفعل هذا لأجل فردوس أيضاً، وسينفق على زواجه بما يحوزه من ليلته، وأما نوح فقد مات بمبادئه، استحمت العجوز وتعطرت بعطر الأفيون من "إيف سان لوران" Yves Saint Laurent ثم جلست على الحافة من سرير خشبي، وقد تراصت الشموع وزجاجات العطور، كان بكر في سكرة من الذهول، من نفسه، ربما، ومن تداعي الحوادث، وبالأساس من تصرف المرأة، ما هي بشعرها الأشيب إلا صورة تنضح بالخبل، وأما ابتسامتها الشائخة فجنون يسمع له صوت هو أزيز باب الضياع الأبدي، لم ينظر إلى جسدها اللدن، ولا إلى ساقيها الضامرتين، ووهبها عاطفة مستحية فيما كانت المرأة صريحة القصد، اقترب منها فأغلقت عينيها المجعدتين، بدت بلا مقاومة، لم يمسها قط أو يهم بها، وإنما ارتاب من غفلتها التي طالت، وإن هي إلا دقائق حتى صرخ الفتى الوحيد يقول :


- لقد ماتت العجوز..