الحب ولوعة الندم
الفصل الثامن والثلاثون:
الحب ولوعة الندم
استمر منير في الحياة بفيلا لوران رغم ما لاقاه - هناك - من مشاكسات عارف وجفاء نعيم، قيضت له الأقدار رعاية مريم التي وقفت - كالحائل المنيع - دون الخلاص منه، ولقنته المرأة محبة "أبيه" نعيم، و"أخيه" عارف، فرضي الصغير بما كان رضاء الجاهل القنوع، ويوماً كان يلعب مع عارف لعبة السيجا بالحصى على الأرض فلما ظفر منير بنصر، وقف عارف مختالاً يقول في لون من الكبر والغطرسة :
- بمقدورك أن تنتصر هنا، ولكنك بلا أب..
وقال منير :
- إن أبي هو نعيم، وجدي هو طه، لا تخفي ضعفك بالافتئات عليَّ..
وقال :
- لماذا تبدو أسمر كالح الوجه إذاً؟ إنك لقيط ! إنني المفضل لدى أبي ولو طلبت لبن العصفور لأتي لي به على وجه العجلة..
وكدأب الخلافات بين الاثنين تنتهي لدى مريم التي تعود تطمئن منيراً إلى نسبه، وتنحي باللائمة على نمط التربية المرفه الذي أولاه نعيم لنجله عارف فجعله "فرعوناً خالصاً.." لا يراعي مساحة "أخيه"، ولم ينم منير هذه الليلة إذ نخزت الإهانة أعماقه، وعلى جهله بماهية الأصل والنسب فقد بدا شاعراً بغربته عن سياقه الذي هو فيه، وحملته الهواجس على أن يترك سريره فمضى على أطرف أصابعه - لئلا يوقظ مريم - حتى بلغ الحديقة، وقعد على كرسيها الخشبي، وهناك أسلم خده إلى يمناه التي كانت مستندة بدورها على ساعد الكرسي، وأتته نسمة باردة على جناح الليل اقشعر لها بدنه الساخن، وأحدثت صوتاً شبيهاً بخشخة الأوراق الممزوجة بحفيف الأشجار، ولكنه صمم على النوم في الخلاء فأغمض في بحر ظلمته عينيه، وتسرب إليه سلطان النوم في نعومة البرد، وبلغ أولى منازل الرقاد، وهناك، تناهى إليه صوت أشد من الخشخشة الخفيفة ومن الحفيف الواني، وفتح عينيه - كالمنزعج - فارتأى لصاً يتسلل عبر هذا السور فيهبط بمحاذاته بعد أن يرمي بالحبال، وفزع لدى رؤيته، كان الكلب فرنش ماستيف Dogue de Bordeaux غاطاً في سبات قرب الباب، وهرع منير إليه يوقظه فلما تنبه الحيوان واسترد وعيه طفق ينبح على هذا المتسلل، وأجزل الانفعال كأنما يستعيض به عن تفريطه في حماية الفيلا والاستسلام للنوم، وسرعان ما أُضيئت الأنوار من جراء هذا، استيقظ نعيم الذي هرع إلى نطاق الضجة الواقعة فألفى قدمي اللص على ارتفاع شاهق يتملصان من وجودهما الأخير في نطاق الفيلا المعتمة وينتهيان.
اضغط على رابط الصفحة الرئيسة لمزيد من الموضوعات : روايات قصص
- انتظر الخلق الرخاء الاقتصادي الذي وُعد به بعد حرب أكتوبر، ومن الانتظار ما يولد اليأس، كان عاما 1975م و1976م حافلين بالإضرابات العمالية، والفقر يجسر المرء على التعدي على ملكية الآخر !
وكان نعيم يأخذ يمسح على رأس منير، في حين يغتاظ عارف الذي يجلس غير بعيد، يقول :
- لقد أنقذنا الطفل بعد أن غفل الجميع، وحتى كلب الحراسة خذل تطلعنا في الحماية !
وتابع طه يقول في شرح موقفه من الوضع المشحون :
- والمشكل أنك لا تستطيع أن تسخر الانفلات لغاية إيجابية، إذا هو خروج عن النمط غير متوافق، فلو سألت المحتجين عن مطالبهم سيتفرقون إلى ألف فرقة وفرقة..
وهناك أخذ عارف يعض منيراً من لدن يده في غيرة أنهاها الأب في حزم، في حين يواصل طه :
- وبينما الأكاذيب كثر متشعبة فسبيل الصدق واحد، فلا تعود تعرف كيف تلتقط الحقيقة من أفواه الغاضبين الناقمين، وكثيراً ما تقبل الأسماع المستحيل من الأنباء وتؤثر عنهم.. يروي المسعودي مثلاً عن الإسكندر لما صدته دواب البحر عن بناء مدينة الإسكندرية، وكيف اتخذ (الإسكندر) تابوت الخشب الذي في باطنه صندوق الزجاج وغاص به إلى قاع البحر، فكتب صور تلك الدواب الشيطانية التي لاقاها، وعمل تماثيلها من أجساد المعدن، فلما نصبها حذاء البنيان وعاينتها الدواب فرت، وهكذا تم للإسكندر بناءه لمدينته، ولا ريب أن كل أولئك مما يُنسب إلى الخرافة والكذب الأصلع، والقدح في مثل هاته الأساطير سهل يسير، ولكن إخراجها من وعي غير المحققين صعب عسير..
كان منير متفاعلاً مع أسطورة المسعودي التي رواها طه في سرديته العجيبة، فكأنما لمعت عيناه من فرط ما ألفى فيها من الخيال الساحر وإن خالفت مقتضى الحقيقة، وطفق طه - لما وجده منه ذاك الاهتمام - يقول له قولاً مستحسناً مطرياً عليه، بعد أن يهبه نذراً من النقود يسيراً : "لشد ما أنت أريب، نجيب !"، فيزيد به من حنق عارف على "أخيه" الأسمر الذي بات يهدد - باكتسابه محبة الأب والجد - عرشه الوثير !
1977م..
لم تمضِ الحياة بين مراد وبين أميرة على نحو ما تُصور لها أن تمضي عليه من المثالية الوردية التي تنتهي عندها القصص الملحمية، بعد تقطاعات الافتراق وأحوال اليأس، بدا أن الخلافات بينهما جمة كثيرة على نحو يصح أن يتسبب في "حيرة العرافين"، فلا ماهت الأشياء بأصباغ الورد، ولا حل السلام، لقد عاشا سوياً عيش الأبكار والأرامل، وحتى لقد وقع اليقين بأن تنزيه الحياة من منغصاتها لن يقع حتى يلج الجمل في سَمِّ الخِيَاط، والمدقق في الصورة عن كثب لا يرى منها إلا جزءاً، كذلك الحب الذي يسبق الزواج وينزعه من سياق غيره من مسؤليات ما بعده، ويوماً قالت له :
- لست خادمة من عصر المماليك، تأمرها كيف تشاء، ثم تنهاها حين تريد..
وهجرها الرجل وألزم نفسه حياة العمل والتجارة، وأوعزت إليه نفسه بأن يبخل عليها بالود كيما تأتيه في لوعة الندم، ولكنه - ولما كان عظيم المحبة لها - لم تطاوعه نفسه على إدامة هذا الهجران، فتخير أولى المناسبات التي جاءته فيه جاسة النبض فإذا به يسرف في إبداء سروره بعودتها إليه،.. وباتت البورصة أكثر ما يشغله ويقلقه، يقضي أكثر وقته متنقلاً بين مقاهي المنشية، فالبلاد - كنفسه - قلقة تموج بالترقب، حتى كان عود الثقاب الذي أشعل البارود في يناير، وجاءه جمعة في مقهى البورصة التجارية يقول في لهجة متوترة :