ملاحظات على أنغام كسارة البندق
الفصل الثامن عشر: ملاحظات على أنغام كسارة البندق
كان عبد الغني قد انتقل إلى مثابة أشبه بشيخ الحارة في حيّنا، وقد كثر وجوده في الطريق - على إعاقته التي ألزمته القعود على الكرسي- يرقب العمال وهم ينقلون هياكل الخرسانة المكعبة يريدون أن يشيدوا عقاراً جديداً، وكان الرجل من السأم من طبيعة الحي التي لا تتغير حتى أنه احتفى بهذا الحدث الجديد، وشرد بناظريه في ماكينة كانت تقلب الزلط فلم ينتبه إلا وهيكل الخرسانة المكعبة يضرب موقعاً هو إلى الجوار منه ببضع بوصات، هرع إليه الخلائق بين مفزوع ومتلهف فلما تبينوا سلامته جعلوا يقولون :
- لولا الستر لكان الرجل الطيب من الهالكين..
ثم هتف آخر بالعامل الذي هوت منه الخرسانة عند العقار :
- هل عمُيت؟ كدت تقتل الرجل..
أصيب عبد الغني بالحزن والغم على نجاته من الحدث المروع، اعتزل وجوده في السبيل اعتزالاً ألزمه حجرته التي بات يضطجع فيها على كنبة تركية منجدة ذات قماش مشع، ويأخذ يفكر ويفكر : "بضع بوصات تحفظ لك الحياة، وبضع بوصات أخر تسلبك إياها،.. ماذا تبقى من دنياي بعد أن شاخت قدرتي؟"، وحجّمت الواقعة الباقي من تطلعه في حسن الختام، وتواتر معارف الرجل على زيارته كيما يخففون من كدره، ويشدوا على يده، زاره رؤوف ومراد وأميرة، وبعض أصدقائه من التجار الذين أسرفوا في عد مصائبهم كسبيل مريب وعجيب إلى التهوين عليه تارة، وتارة يذكروه ببعض مما أفاءت عليه الدنيا من نعم باقية وزينة مال وبنين، وأما زوجه هدى فقد لازمته في لياليه بالرقية، وقد زهد في طعامه وشرابه وفي هذا الشاي الأخضر الذي أخذت تسكبه له ولنفسها من إبريق نحاسي فما كان منها بعد زَهادَته إلا أن احتسته وحدها،.. وحارت في فك شيفرة حزنه الغائر أو اقتحام أسوار اكتئابه الذي بدا أشد أثراً من سائر المرات، وكانت فردوس - التي لم تزر الرجل قط في محنته - قد عادت لتوها فحدثتها هدى عند بسطة متوسطة من السلم حديث المعاتبة لها، وحملتها محمل الانتقاد، واعتذرت الفتاة - التي بدا أنها تخفي سراً هو خروجها مع بكر - من تقصيرها غير المقصود وعرجت راقية الدرج إلى زيارة الرجل - كالبقية - دون أن تنجح فيما أخفقوا فيه جميعاً من التسرية عنه.
اضغط على رابط الصفحة الرئيسة لمزيد من الموضوعات : روايات قصص
أشهُر قد مرت منذ عودة بكر إلى الإسكندرية مكللاً بالانتصار المظفر على حصانه المحجل في أبي تيج، هذا الذي اقترن بهطول المطر وانتهاء الجدب، باتت له ذكرى محفوظة في أذهان الريفيين وهو الذي لم يعمل في سبيل البطولة أو المجد يوماً واحداً، ولكن الصدفة القدرية أخلدته، وكانت تسنيم تحب أن تقرن بينه وبين المعجزة الخيرة التي تلازمت مع عودته في سبيل توطيد أركان سلطتها الجديدة، ومع مرارة توديعه لأمه فقد انغمس في حياة المدينة يزور معالمها رفقة فردوس (التي رد إليها بدوره عطية العقد اللؤلؤي بالمقابل السخي الذي تحصل عليه من أمه جزاء نضج المحصول في أبي تيج من نتاج عودة الحياة هناك إلى مجراها)، إنهما يزوران المتاحف كأول ما يطلع عليه الفتى الشغوف من إرث : متحف الإسكندرية القومي ذو الطراز الإيطالي، ومتحف المجوهرات الملكية (قصر المجوهرات) بزيزينيا، وكذا متحف الفنون الجميلة، وقد تواعدا على زيارة متحف الأحياء المائية في لقائهما الجديد، وجاءته فردوس متأخرة بالمتحف المائي الصغير، وسألها وقد بدأ يستوعب الأمكنة والمسافات بالمدينة، وأن المسافة بين كرموز (حيث تقيم) بين الأنفوشي (حيث المتحف) ليس مما يستحق العناء :
- ماذا بكِ؟ وما الذي أخرك؟
وقالت :
- إن حالة عبد الغني لا تُسر أبداً.
وسألها يرقب سمكة بيكاسو Rhinecanthus assasi فيعقد المقارنة الصامتة في خاطره بينها وبين قرموط الترعة :
- ألم تشأ زوجه أن تأسرني في بيتها لقاء طمعها في ميراث الفدادين؟
وقالت في انفعال كأنما استمعت لما يشين :
- أرادت هي كذلك فيما خالفها الرجل في مأثوم صنيعها، لقد كنت شاهدة على الأمر..
وتخفف من نبرته العدائية المستهترة في ظل الأجواء العجائبية للمتحف، فيما ينتقل لرؤية سلحفة بحرية Cheloniidae يقول :
- وماذا ترين أني فاعل؟
وقالت فيما ترقب حركة الأعشاب المرجانية في ميلها وتأودها :
- فلتعجل بخطبتي التي يسعد بها قلبه (عبد الغني)..
وابتهج الفتى يقول وقد نأى بناظريه لأول مرة عن مشهد الأسماك المأسورة :
- حقاً؟!
وأنسته سكرة النشوة حقيقة أنه بلا عمل أو خبرة، وأرخى العنان لعواطفه فعدل عما كان مقرراً له من برنامج اليوم من زيارة متحف قلعة قايتباى ذي الأسماك المحنطة والمتعلقات البحرية - الشبيه إلى ذاك بمتحف الأحياء المائية - إلى إتمام الخطبة التي تمت في حجرة عبد الغني وعلى عينيه، فكان مما أسعد الجميع أن اعتدل الرجل عن الاضطجاح المستسلم إلى حال القعود المتوثب على الكنبة التركية يبارك الحدث السعيد !
في باريس..
أرسل حسين إلى أمه عفاف في طمأنتها عليه رسالة متأثرة بما جد في حياته بالإسكندرية يقول :
"إلى الأم العزيزة.. وإلى أخي زهير.. تحية طيبة وبعد..
إن أبلغ وصف يساورني اليوم إذا شئت أن أقيِّم تجربتي من ألفها إلى يائها هو المثل القائل : رب ضارة نافعة، وقد حسبت أن انتقالي هو هبوط من عاصمة أوروبية حديثة إلى ساحل مجهول لبلد يعيش على أطلال ماضيه، إن في القوم هنا جذوراً حضارية عميقة مختبئة خلف نكسات متواليات، إنهم يسكبون المزاح على خليط معاناتهم، ويقيمون مجتمعهم بأغرب السبل وأبعدها من التصديق، وفي هذا الخطاب بعض مما استخلصته لنفسي من الملاحظات أوردها كمراقب خارجي (outsider view) على هذا المجتمع الجديد..
إن من المضلل للغاية - كما أن من الاختزال المخل - أن يقتصر الحديث عن أهرامات الجيزة وبعض الآثار الأخرى عنواناً عاماً لكل شيء يجري هنا، صحيح أنني زرت الأهرامات التي يذكر أبي يوسف قولاً عنها يحمله على الاعتزاز فتتلألأ له عيناه الزرقاوان :
- إن الخلق يخشون من الزمان، بيد أن الزمان يخشى من الأهرامات..
وقد لبست في زيارتي هذه العمة وأردت أن أركب الجمل - في تواجدي العارض قرب أبو الهول بالعاصمة التي ظهر أنها دون مدينة أبي رونقاً، بأشواط - وقد تبين لي كيف يتصف تجار الجمال بقدر لا بأس به من الاحتيال وجهل غير طفيف بالإنجليزية (يقترن عادة بحرص غريب على استخدامها في بعض كلمات كـ Hello و How 're you? وغيرهما مما يُنطق بنحو متلعثم مضحك)، وقد أتاح لي إلمامي بلغة البلد وغيرها (كالفرنسية وبعض الإنجليزية) أن أعي الأمر على نحو أورثني الأسف بينما أحسر عمامتي التي اكتنز فيها العرق، فأسلم رأسي المبلل إلى حرارة لا مثيل لها، وعزفت عن ركوب الجمال فقصدت إلى سوق تجارة الجمال ببرقاش في ضواحي القاهرة الكبرى، وامتطيت الجمل هناك وهو في وضع الجلوس حتى لامست بطنه الأرض، وقد أناخه تاجره لأجلي فاِسْتَبْرَك، ولم أطق أن يحملني في نهوضه فاكتفيت، وذهلت من عددها (الجمال) الضخم، وخبرت بأن نقلها يتم عبر شاحنات إيسوزو،.. وسرعان ما اجتزت صَيَاهِدُ الأيام في القاهرة حين عدت إلى المدينة الساحلية الرطبة، وقابلت أسرة زهران، الرجل الماكر، وأبرع من قابلت في لعب البليارد.
والإسكندرية مدينة هادئة قياساً إلى العاصمة المزدحمة، ويشيع في أهليها الصلاح، وإن عابتهم اللامبالاة - آفة الأمور هنا وأحد العوارت المسلكية - حتى أن المرء لا يغير اتجاهه عادة إذا أنت لم تغيره في مواضع الالتقاء في الأسبلة الضيقة، وهم - على ذاك - مبادرون إلى النجدة متى رأوا عائزاً أو بدا لهم محتاج، إن جائعاً خامصاً لا يبيت في مصر، فثمن الخبز - عصب الحياة هنا - مدعم زهيد.. والقوم لا يسارعون إلى تنظيف شوارعهم من القمامة التي تأخذ تتراكم حتى تكون ما يشبه التلال القذرة الكريهة التي يجتمع حولها الهاموش، فلا يكون لدى الواحد من تصرف إزاء هذا القبح الجسيم أكثر من نظرة عابرة، يمضي بعدها إلى ما هو منشغل فيه، وإذا اتصفت المباني بالكلوح وغياب الخضرة فإنها معبقة برائحة شعبية قديمة بعمر الزمان، ومما يجدر التنويه إليه أن حاجة الناس إلى التدين - التي تبرز في كل مظاهر حَيَوَاتهم - نفسانية قبل أن تكون إيماناً لاهوتياً متجذراً، إنهم يستعينون بالإله على معاركة واقعهم الصعيب، ويسارعون إلى منح القدسية إلى كل من يتحدث باسمه.
إن ثمة سمة غالبة على الأشياء هنا هو التفريغ من المضمون على حساب المظهر،.. فإذا كان القوم يقيمون المدارس، وينشأون البرلمانات، ويؤسسون المصانع،.. إلخ، فالغالب على كل أولئك أن تحتفظ بالمسميات دون أن يكون الجوهر متصلاً فعلاً بها، إنها بنايات ومؤسسات فارغة من المغزى الحقيقي الذي جُعلت من أجله،.. إنه أمر (أي تفريغ المحتوى) قريب الشبه إلى غذاء الكوسا أو القريع الذي يتم تفريغه هنا وملأه بالأرز المبهر، والأخير طعام مصري ذو جودة متوسطة أعدته لي صديقتي ابتهال - ابنة زهران - في بيتها الجديد الذي أقيم عوضاً عن آخر كان قد هدمه الحي، وتلك قصة أخرى..
وإذ كنا قد أصبنا يوم ذاك - أي يوم هدم الحي بيت زهران - بخيبة أمل كبيرة، فاليوم نأمل أن أتم زيجتي بابنته في بيته الجديد، وآمل- إلى ذاك - أن تسعفني ذاكرتي وأنامل يدي التي عطبت من شح العزف والتمرين - على أداء مقطوعة كسارة البندق على بيانو أبي الصدئ، احتفاءً بالمناسبة الرائعة، آمل أن أنجح في هذا دون ألحق الضرر بسيرة الموسيقي الروسي العظيم تشايكوفسكي، صاحب المقطوعة العالمية الخالدة، فيساورني خيال معلمتي الفرنسية بيرت بصوتها المزعج :"حسين ! لقد أفسدت الأمر مجدداً !".
إن الأمل يساورني رغم كل شيء متى وقفت أمام البحر المتوسط ذي الحركة المتماوجة الأبدية، إنني أسلم إلى حركته تقذف بجسدي حيثما تشاء متأثراً بـالمفهوم الصيني Wu weiودعوته اللطيفة للاسترخاء، لقد تجاوزت أيضاً محنة "إيفون" التي أرجو لأخي براءً منها يجعله والفنانين العظام الذين يتجاوزن صغائر العقبات الشخصية في سبيل تقلد مراتب المجد - أقول يجعله وهؤلاء الفنانين على قدم مساواة الجلوس على طاولتهم الخاصة..".