لقد أعماها الحب
الفصل الأول: لقد أعماها الحب
1981م..
من طور إلى طور انتقلت البلاد ومن فيها، من المراسم الملكية إلى الجمهورية الاشتراكية إلى الصورة الدينية المحافظة، وقد يتساءل الرائي هنا عجباً : كم عقداً قد مر على هذه الأرض؟ لشد ما تبدلت في حيّنا المعالم والوجوه ! والذكرى ما عاد يبقى منها إلا صورة وانية، وظل خافت لما كان وانتهى،.. كم رباناً في حيّنا؟ وكم من مآل سارت إليه سفننا العتائق؟ ومن ذا يرمي بالمرساة على شاطئ الخلاص المنزه؟ من ذا يقدر على بعث الإلهام في بلاد الإلهام الإنساني الأول؟ وقد يأخذ يزيد الرائي في عجبه حين يدرك أن المدة هي بضع عقود، وأن نقلات كهاته استوعبها المجتمع المغلوب على أمره كوعاء تاريخي تجذر فيه التراث المتواتر، ومر بها على أكف الصدفة التي تشفي على المعجزة دون تفكك أو انهيار،.. وكانت نور قد اجتمعت مع المخرج مظهر في نادي اليخت، هذا الواقع على جزيرة فاروس، المطل - إلى ذاك - على البحر المتوسط من جانب وعلى الميناء الشرقي من جانب آخر، وأخذ الرجل المعتنق للاشتراكية يقول متاجهلاً الأصل الارسترقراطي للنادي الشراعي الذي هو فيه، وقد بدا في سرور الخلاص من عهد الرئيس السادات، يقول :
- ضياع كامل تعيشه مجتمعات العرب، إن ثمة من يروج أن هزيمة يونيو هي الأسوأ، عامداً في هذا لتضليل السامعين إلى اختزال تجربة الاشتراكية في هزيمة ميدانية، ولكنني أزعم بأن النكسة الثقافية التي مررنا بها في أعقاب ذلك كانت أدهى وأمر!
وقاطعه من الحضور واحد، وكان مصوراً من طاقم العمل يقول :
- لا تنسٍ أننا في نادي الخديوي ! تريد ان تعيد سيرة الأحلام الكبيرة وشعارات الوحدة التي سدت الأفق، كانت هذه الدعاوي دليلاً على عمق تصدع الهوية، إذ لا يُطلَب إلا المفقود.
وقال مظهر وهو يطالع خبراً في جريدة عن اشتباكات بين مسلمين وأقباط في تهكم وأسف :
- ألا ترى ما يجري بين عنصري الأمة؟ ما هذا إلا حصاد العقد الفائت..
- تتجاهل حقيقة أننا فقدنا التعددية الدينية على عهد الاشتراكية، تخلصنا من نجمة داوود في 1956م وكرسنا لصراع قادم بين صليب وهلال..
- الأمل في الاتحاد السوفيتي..
- سينهار خليط الأعراق والقوميات غير المتجانسة أقرب مما تتصور..
وقال كاتب السيناريو كأنما يضيف إلى حديث المصور فصلاً آخر هو أشبه إلى نبوءة جديدة :
- سينبأ هذا بعالم أحادي القطب.. أحسن الرئيس السادات - عليه الرحمة - صنعاً حين قفز بنا من المركب الغارق.. ولكن خطيئته في تكريس الرجعية لا تغتفر..
وعاد المصور يقول :
- لقد دفع حياته ثمناً للأمر على أي حال..
وكان مظهر يقرأ رؤى بعض النقاد التي تصف أفلامه بالبؤس والغموض في امتعاض، فسأله المصور :
- ولماذا لا ترد عليهم؟
وأجاب وهو يزيح وجهه عما قد أغضبه :
- كما يقولون : لو كل كلب عوى ألقمته حجراً، لأصبح قنطار الحجر بألف دينار ! إنني أخاطب المشاهد النابه..
وقال المصور قولاً أضحك القعود فيما نظر إليه مظهر كأنما يلحاه سفهاً :
- فلتحدد حاصلاً للذكاء كشرط مبدئيّ لمشاهدة الفيلم إذاً..
ونظر من الجلوس واحد إلى نور التي بدت - وهي تقلب عنقها بين المتحدثين - صامتة، يسألها :
- وما رأي الأستاذة؟
ونظرت المرأة إلى سائلها وكانت ترى في مطاوعة المخرج أدباً، ثم أن اهتمامها - كشأن معظم النسوة - بالسياسة قليل نادر، فقالت في صوت وانٍ :
- إنني أميل إلى رأيه (أي مظهر)..
وقال مظهر في نشوة طبيعية :
- إذاً سيكون الفيلم الجديد نابعاً من أعماق قناعتك، وأضمن له النجاح..
وتساءل المصور :
- وما موضوع الفيلم الجديد؟
- سيكون عن تاجر قُدر عليه في الرزق في عهد رأسمالية المحاسيب (Crony capitalism) التي نعيشها، والأخيرة مصطلح استخدمه استخداماً توصيفياً جديداً، كأنني أصكه اليوم، وقد ضاق (أي التاجر) ذرعاً بإعالة أسرته حتى وفقت ابنته المخلصة في دخول الطب فيما نزع ابنه الشقي إلى الجريمة ! وستؤدي نور دور البنت..
- فليكن ما يكن، ولكن إذا وضعت صورة الرئيس عبد الناصر على جدار شائخ تخفي به عواره، سأبكي من الضحك، لقد تكرر الأمر أو مثله حتى صار مسخة !
- كان يجب أن تعيش فلاحاً فقيراً قبل الثورة كي تقدر الرجل حق قدره، والسياسات الاشتراكية هي التي شكلت نواة الطبقة الوسطى المصرية.
والتفت مظهر إلى الفتاة يسألها : "ومتى نبدأ العمل؟"، فأجابت وهي ترمق موضع وليدها الجديد لدى بطنها المنداحة :
- حين أفرغ من فترة النقاهة بعد ولادة عطية الله..
وكانت نور بعد أن أنجبت نبيل في انتظار أن يجئها المخاض مؤذناً بولادة وليدها الثاني، وانفض اجتماع النادي الشراعي فعادت المرأة إلى شقتها بالمعمورة وهناك ألفت بكراً وهو يدلف إلى بيته، فاستوقفته تقول :
- آسفة إن أهملت في شأنك.. (ثم وهي تفتح حقيبتها فتهبه شيئاً من المال) أريد أن أرى ابناً لك من فردوس..
ولكنه باغتها يقول :
- لا أحتاج المال اليوم، والشكر لكِ موصول..
- هل وجدت عملاً؟
وكان بكر قد سرق محتويات شقة العجوز التي ماتت بجليم، فارتبك يتذكر الأمر في هاجس خاطف، ثم يقول في ابتسامة يتبعها بحركة إلى البيت :
- بل وجدت ما هو أفضل !
اضغط على رابط الصفحة الرئيسة لمزيد من الموضوعات : روايات قصص
- أما قرأت صفحة الحوادث، اليوم؟ إنه حديث المدينة.. (ثم وهي تقرأ ما فيها بصوت واضح) العثور على جثة عجوز وحيدة في شقة بجليم، (ثم في عنوان أصغر أسفل الخبر الرئيس) السارق فرغ القيم من محتويات الشقة، الاشتباه في جريمة قتل، والتحقيقات جارية.. (ثم نظرت إليه تقول..) بعض البشر في بلادنا بلا ضمير، هل رأيت في الغابة ذئباً يقتل ذئباً؟
- أما تستبعدين أنها (أي العجوز) قد ماتت موتة طبيعية؟
وقالت فردوس :
- لا أعرف، وما أدراني؟ ولكن سرقتها بعد الموت أمر مؤسف حقاً، وقد قيل : حيث تكون الجثة هناك تجتمع النسور..
وتركتْ له الجريدة التي تلقفها الشاب بدوره منها فيأخذ يقرأ ما فيها بمجرد انصرافها عنه، وقد بين له اطلاعه المفصل على الخبر أن جثة العجوز كانت متحللة عفنة بعد أشهر تُركت فيها، فكان السبيل إلى الاهتداء إلى الأمر هذه الرائحة العطنة التي سرعان ما شاعت وسرت كأنها رسول استغاثة لجسد يروم الإكرام بالدفن، ولعله استعاد - وقائع مغامرته التي لم تكتمل في يوم يأسه من العمل في كازينو الشاطبي - حين أزاد الوصف يقول بأن العجوز كانت عارية تمامة إلا من لحاف مخملي تذكر هو كيف ستر به جسدها ورأسها حين نظر إليها نظرة المودع، ثم اعتذر لها مما اقترفه من أمر السرقة التي أقسم - أمام لهائب الشموع وزجاجات العطور - أن اضطراره إليها حتمي قدري، ثم تذكر كيف كان كالمكروب حتى أن وجهه كان يتربد وتغشيه حمرة مخضبة بالسواد من فرط الندم، لا يدري ما يفعل كمن مثل تحت سقف بيت متهالك يكاد ينقض حجراً تلو حجر، ثم كيف أفزعته حركة اللهائب المنعكسة للشموع على الحائط الظليل كالأشباح ترقب جرمه حين هم أن ينصرف تاركاً جثة بلا روح، وبيتاً بلا مقتنيات، لقد انتهب كل ما له بريق في الشقة التي انتهت ربتها وترك كل غث بخس، أجل، لقد تذكر هذا كله، فيما ابتلت أنامله التي تعرقت تاركة مواضعاً عند أطراف ورقة الجريدة الخفيفة الشروب للسوائل، وتَفَصَّدَ جبينه عرقاً، حتى وقع أن سمع فردوس تناديه في عودتها من المطبخ بعد أن جهزت فنجانين من القهوة بالليمون (تجهز الفتاة المشروب السابق - أو القرفة بالزنجبيل - كيما تتخلص بأي منهما من وزنها الزائد بديلاً من الشوفان بالحليب الذي تحبه محبة الإسراف ويزيد من وزنها)، فتقول :
- هلا زرنا حديقة الحيوان؟ لقد سئمت من زيارة المتاحف..
وارتعد بكر ارتعاداً شديداً لكونه لا يزال متصلاً إلى طيف ما قرأ وعرف، فأبدى جسده المتعرق رعشة فزع سرعان ما أخفاها يتصنع السعال، كانت الفتاة - التي أعداها ارتباك لم تفهم دواعيه - تقصد هذه الحديقة الواقعة في شارع ألبرت الأول، بعزبة سعد، في سموحة، ولكن بكراً - وفي غمرة التبرير لحركته الفزعة غير المبررة - جعل يقول لها وهو يهب النافذة وما يتبدى منها من مناخ خريفي يائس :
- أرى الطقس في الخارج غير مشجع البتة، منذر بالأنواء، مولد للاستيئاس.. ثم أنني لا أرى أيما تسلية في رؤية مخلوقات أسيرة في أقفاص لا نزيد نحن عليها (أي الآدميين) بشيء سوى بقشرة مخية،.. لا أريد رؤية الحارس يسيء معاملة هذا الدب البني ولا هاته القرود المأسورة وراء الحواجز المحكمة، إذ يجدر بالقرود أن تمتطي غصون الأفنان الشواجن تجوبها كيف تشاء ودون رقيب تماماً كالإنسان الأول قبل أن يهبط وتزل قدماه إلى الأرض فاتحاً على نفسه أبواب الشقاء الأبدي.. كلا، كح كح كح..
ولكن الفتاة أصرت على زيارة الحديقة فطاوعها الشاب الذي لم يكن يحمل في الحق أسباباً حقيقية تمنعه من الأمر ما خلا هذه التعمية على فزعه غير المبرر، ووقفا أمام قفص الدب الذي عرفت فردوس من الحارس أنه محب للأطعمة الغنية بالسكريات كالأرز بلبن والعجوة، علاوة على الفاكهة كالبرتقال، والسمك واللحم المسلوق، وجعلت الفتاة تطعمه في حذر وتعيد علي صاحبها سيرة حادثة الصبيحة :
- وقصة العجوز من أغرب ما سمعت وخبرت،.. هل تظن أن امرأة في هذا العمر كان لها عشاق؟
وانصرف عنها أولاً إلى قفص النسانيس يطعمها بغذاء الموز والسوداني والخس، ثم أجابها - حين ألحت عليه بمعرفة رأيه - في خبرة من يعرف ما يقول :
- بعض النساء في هذا العمر يبحثن عن الحب أيضاً، أحسب الأمر أزمة عمرية شبيهة بالمراهقة أو منتصف العمر، ولكنها متصلة بالشيخوخة وانقطاع الرجاء في الولادة، (ثم وهو يتلقى إلهاماً جديداً) أجل، أحسب أن الأمر على هذه الصورة..
وكاد النسناس يقطم أصبعه فنزعه في خفة وقد تضرر أنمله بالاحمرار، وجعل يتأوه منتظراً من يسعفه، ولكنه توقف حين سمع فردوس تقول :
- أراك تتحدث كمن يعرف العجوز..
وتهكم في رثاء أجوف يقول :
- عفواً، ليس بي أقل رغبة في العجائز، إن لهم دنياهم..