لم تعد الشخص نفسه حين ملكت ابنتي..
الفصل الرابع والعشرون: لم تعد الشخص نفسه حين ملكت ابنتي..
كان داوود قد أوصل بين حسين وبين ابتهال دون علم أبيه زهران، تزوج الاثنان بمباركة يوسف - الذي شوهد وهو يرجّ مشروباً غازياً ويسد منفذه حتى الفوران في حفل صغير أقامه ببيته احتفاءً بالمناسبة التي غص فيها السلم اللولبي بصنوف من آثار النعمة المستهلكة كالزينة وبقايا عُلَب الجاتوه - دون أن يلبي حسين مطالب زهران المغالية، ومن عجب كيف أن ليلة العرس التي أريد لها الإتمام السريع والمصادرة على مطالب زهران التي أشفت بدورها على الجشع والاستغلال كانت دون ليلتي الخطبة بكازينو لاكورتا وكازينو أفلاطون، وصادف زواجهما - حسين وابتهال - وفاقاً في الشقة التي كان يُرى من شرفتها العالية قصر الصفا،.. ويوماً كان العروسان يتأملان صورة القصر فقال حسين الذي تحسنت عربيته بطول الممارسة والاحتكاك حتى طابقت نطق السكان الأصليين أو تكاد :
- يقف (أي قصر الصفا) على ربوته العالية كأنه منارة البحر أو ديدبانُه الأمين.
والتفتت ابتهال التي كانت ترفل في روب مخملي عما بدا له منه إلى زوجها تقول :
- أراده (أي القصر) الكونت اليوناني "إستيفان زيزينيا" كذلك..
ودق الباب في شدة غير معهودة نأت بأهل الدار عن حال السلام بغتة، فزعت المرأة ووجلت وقصدت تغير هندامها، فيما أجاب حسين هذا الطارق فألفي زهران قبالته يقول وهو يأخذ يربت على موضع صدره في ودية متطفلة :
- مبارك للعروس ! لقد انتزعت أجمل الأسماك من حياتي، كنت دائماً صياداً ماهراً..
وسر حسين لوجود الأب الذي أضفى مزيداً من الشرعية الأسرية على زواجهما القلق المتعجل، فقال يدخله في مدخل لم يفرش عليه بساط بعد:
- أطعمتنا في دارك يوماً، واليوم نرد إليك الدين..
وهتف زهران قائلاً في مزاح متزيد بدا أنه يأخذ صورة القصد الواقعي فيبهت القصد المرح منه تلقائياً :
- لن أرضى بأقل من الكافيار..
ولكن هذه النسخة الحفية من زهران ما لبثت أن استحالت شيئاً آخر حين خلا الرجل بابنته، يقول لها :
- أضعتِ من يدنا بئراً لا تنضب من النعمة لقاء القليل،.. الحب أعمى، وإن الأفندي محب لكِ..
وجعلت تهمس في انفعال فتخشى أن يتجاوز صوتها حدود المسموح :
- تريد أن أقطف كل الزهر من مشتل الرجل الذي سمح لي بالولوج دون تذكرة؟
واعتدل زهران في جلسته وكان لا يخفض صوته على نحو أحرج الفتاة حقاً :
- لماذا لا تقطفينها إذا كان صاحبها كريم أبله، أتاح له القدر فرصة المنح غير المشروط؟
وأجابت اقتراحه بجهامة حقيقة بفرض الجدية والحزم، وأحست إزاء الرجل يأساً لفرط ما خيب رجاءها لخلوه من كل أو جل أسباب النبل والترفع، تقول دون أن تذكر له اسماً (زهران) أو وصفاً (أبي أو ما شاكل) :
- ولأي سبب حضرت، اليوم؟!
وأخذ الرجل في تهكم ممزوج بشيء من الشفقة على الذات يقول :
- كي أبارك عرس ابنتي الذي لم أحضره، كنتم جميعاً عصبة على رجل وحيد، وحتى داوود..
وقاطعته تقول :
- حدثني بما جئت لأجله حقاً..
- لقد نفذ مني المال، خسرت كل ما لدي في مراهنة جديدة لم أوفق فيها..
وتململت تقول في غضب تجتهد أن تكظمه :
- إلهي ! المراهنة مرة أخرى؟!
- كيف لي أن أدري بفوز الأهلي بالدوري في الموسم (يريد موسم 1980م - 1981م) الذي لم يهزم فيه الزمالك قط؟ الأهلي فريق شيطاني، ولو كان لأفقر الرجال في بلادنا مثل حظه الجزيل لهبطت إليه ثروة كثروة عثمان أحمد عثمان، وقد عبثت بي الأقدار التي ما تزال تعزم على أن تحيف على الفارس الأبيض..
وشرعت الفتاة تسأله كأنما تتدارك وجوده في الأزمة التي صنعها، فتنتقل من حال اللوم إلى التصرف دون أن يفارقها هذا الغضب في الطورين :
- وماذا تبقّى معك؟
- قلت بأني مفلس،.. لماذا لا تسألين زوجك الِمجواد عساه أن يلبي حاجتي؟
وحضر حسين فتصنع زهران السعال :"كح، كح.."، وأبلغت الفتاة زوجها بما وقع من محنة الأب، وقد أعاد زهران على أسماع حسين ذكرى اليوم الذي منَّ عليه فيه بصديري من الكتان كيما يخلصه من مراهنه، فابتسم حسين يقول :
- لدي ألف صديري من الكتان أمنحه لكَ في سبيل أن أخلصك من ورطتك الحالية..
ونظر زهران إلى ابنته التي أصابها شيء من الذهول لفرط سخاء العبارة الأخيرة - نظر إليها نظرة ظافرة، ولكن حسيناً أتبع يقول كأنما يضع ضابطاً يحد به هذا السخاء اللانهائي :
- ولكن فلتمنحني عهداً بألا تورط نفسك في المزيد، وألا تطلب المزيد..
وأجابه زهران في ارتباك ظاهر يميل إلى إبداء الاستضعاف ولا يبلغه تماماً :
- أراك تفرض الشروط على والد زوجك،.. ثم ألم يقولوا إن طريق الأصلع على أصحاب القلانس ؟!
- لسنا أصحاب قلانس..
ونظر زهران إلى قصر الصفا الذي بدا صغيراً، ثم عاد إلى غمرة النقاش يقول :
- معذرة،.. تقيم على إطلالة قصر وتدعي شحة اليد؟
- يا ولينا من عينيك،.. ألا ترى أننا بالكاد نراه (أي القصر) ولا نملكه؟
وأبدى زهران يأساً يقول وهو يخفض رأسه :
- لم تعد الشخص نفسه حين ملكت ابنتي..
اضطر فؤاد بعد وشاية ميلاد بموقعه في حي وادي القمر إلى فيفيان أن يسافر رفقة غادة إلى الكويت، وأدعى يوسف أمام الأغراب من أهل البلد زواجه بالفتاة فألبسها البرقع الكويتي والشيلة - كالبدويات - وقد ضاقت بهما ذرعاً، وراق لها أن ترفل في ثوب الزبون شأنها شأن الموسرات (وأما الزبون فثوب طويل فاخر من الحرير المطرز بخيوط من الذهب، له فتحة عنق ضيقة، وأكمام طويلة، ويكون مفتوحاً من الأمام وتُلف أجزاؤه الأمامية حول الجسد)، وحتى لقد وزعت الحلوى في مناسبة الناصفوه في ليلة النصف من شعبان، ثم دقت الهريس (حبوب القمح المطحونة) استعداداً لمقدم رمضان، فتعذر - لانغماسها في ثقافة البلد الخليجية - تمييزها عن غيرها من نسوة أهل البلد، ظل فؤاد طوال ذاك الوقت على عهده من تحاشي التعرض لموضوعات السياسة معتبراً بما وقع لأمجد، حتى وقع أن علق رمزي على حرب الخليج الأولى التي ابتدأت أولى فصولها في خريف العام، يقول :
- نعيق الغربان لا يهز الصقور، سيندمون على قصف بلداتنا الحدودية العراقية، أحسن الرئيس (صدام حسين) صنعاً حين اعتبر مياه شط العرب كاملة جزءً من المياه الإقليمية العراقية..
كان فؤاد يحمل صندوقاً فوق ظهره وقد تذرع بنشاطه للزوم الصمت، فلما انتهى منه جعل رمزي يهتف به وقد بدا شعره وذقنه الفضيين (مزيج من الخصلات السوداء والبيضاء) يهتزان بشدة وفي عاطفة فوارة:
- فلتجبني بما لديك، لا أريد ماسحاً للخوج في حانوت لي..
اضغط على رابط الصفحة الرئيسة لمزيد من الموضوعات : روايات قصص
- إن روح الله الخميني مهووس ديني، أما صدام فعنيف أرعن، إن أحداً لم ينسِ ما وقع في قاعة الخلد، ولا أرى ضرورة لحرب يساق فيها الشباب إلى موارد التهلكة..
وسر رمزي بما عده بداية نقاش وتحدياً يسيراً ينتهي بإقامة الحجة على محاوره، يقول قاصداً ما وقع في قاعة الخلد قبل نحو عام :
- كان هذا تطهير حزب البعث الذي بث الخوف في قلوب المتربصين..
وأجابه فؤاد الذي بدا أن له اهتمامات بالسياسة الخليجية فرضتها عليه طبيعة معاشه :
- بل مجزرة الرفاق، وآفة عقولنا العربية عجزها عن التمييز بين الإجرام وبين البطولة، ولما كانت العاطفة المحمومة - التي هي ابنة الغريزة البدائية - فوق العقل في حياتنا فنحن نزاعون إلى الخلط بين الأمرين، إن هذا يكفي، فضلاً، لا أريد أن ينتهي بي المطاف كأمجد.
ووهبه رمزي نظرة غير راضية، ثم أتبع يقول كأنما يجيب شكوكاً في نفسه بالتماس صورة المتقين غير المستريب :
- ستنتهي الحرب قريباً في صالح العراق والقائد المهيب..
لم يكن فؤاد على يقين من نتيجة الحرب بيد أنه استهان بالوصف "قريباً" استهانة أورثته ابتسامة خافتة وانية، عاد فؤاد إلى بيته فاستقبلته غادة تقول في ابتسام شبيه بالتندر :
- سألتني جارتي عن السبب وراء عدم إنجابي منك، يجدر بنا أن نتزوج حقاً..
وسر بالأمر سروراً غير جديد، إذ هو ألف التعامل معها كذلك - وإن لم يجمعه بها زواج حقيقي - في المناسبات الاجتماعية ونحوها، وأخذ يتفكر في طبيعة حياة الأبناء المستقبليين وهويتهم الدينية المشتتة، فقالت تجيب هاتف نفسه :
- سينشأ أطفالنا في ظل التسامح الديني..
واستوحش استهانتها بالأمر يقول :
- أحسب أن الجانب النظري مختلف كلية عن العملي، بمقدورك أن تحلقي بأجنحة التنظير في مدينة فاضلة، ولكننا على هذه الأرض الغبراء..
وقالت :
- بين المسيحية والإسلام أهون الفروق، إن الجذر اللاهوتي بين الإبراهيميات واحد..
وقال في ممانعة تتصنع الموضوعية :
- يربض الشيطان في تفاصيل الأمور..
وانزعجت غادة من صدها عنه، كان فؤاد يرى في هذا الصدود ترفعاً نبيلاً، لقد آواها في داره كي يهبها حرية قرار لا رغبة في انتفاع يحصده، وإذا اقترن السلوك النبيل بمنفعة يجنيها صاحبه استحال من فوره إلى مصلحة صرفة، وقد عذبه هذا الأمر وأرهقه، ولكن واعز المثالية انهار أمام سطوة الحب، فتزوج الاثنان دون أيما مراسم زائدة من شأنها أن تثير الشبهات حول شرعية العلاقة القديمة، كان عرساً بلا أقل مظاهر حفياً - مع ذاك - بسرور منزه، وتواترت الأيام على فؤاد حتى وقع أن دق على باب بوخوخة يد بضة، وفتح الشاب في بطء - لما كانت غادة منشغلة في ترتيب الديوانية التي تبعثر نظامها بعد استقبال بعض الضيوف من الجيران - وألفى الشاب نفسه وجهاً لوجه ودون إنذار أمام فيفيان، كان ميلاد يتخفى وراءها في لون من الخجل البائن، يهب هذا الواقف نظرة من وراء العناء في تطلع خافت، أمسك الذهول بلسان فؤاد فقوض جوارحه وردها إلى جمود كامل، وقالت له المرأة في تهنئة غير متوقعة وهي تتأمل تكوين الباب الخشبي الصاجي ذي صورة الألواح المثبتة بالمسامير المقببة :